الصفحة 171 من 248

الفرج عن جاهليتهِ قائلًا: (( دخل حسّان بن ثابت في الجاهلية بيت خمّار بالشام ومعه اعشى بكر بن وائل، فاشتريا خمرًا وشربا، فنام حسّان ثم انتبه، فسمع الاعشى يقول للخمّار: كره الشيخ العزم، فتركه حسّان حتى نام، ثم اشترى خمر الخمّار كلها. ثم سكبها في البيت حتى سالت تحت الاعشى، فعلم أنّه سمع كلامه فاعتذر اليه؛ فقال حسّان:

ولسْنا بِشَرْبٍ فَوقَهم ظِلُّ بُردْةٍ ... يُعِدُّون للخمّارِ تيْسًا ومَفصَدا

ولكنّنا شُرْبٌ كِرامٌ إذا انتشوا ... أهانوا الصريحَ والسَّديفَ المُسرْهَدا )) [1] .

فحسّان يأبى إلا أنْ يكون رجلًا كريمًا حتى وإنْ شرب فهو يشرب شرب الكرام الذين لا يليهم السكر عن المكرمات، وبمثل ذلك يسعى الاصبهاني الى تقديمه

بعد إسلامه كشاعر من شعراء الرسول (ص) مسدد بروح القدس [2] .

ويتحفنا الراوي في خبر آخر من أخبار حسّان يُبرّز فيه ظهور هذه ... الشخصية بمظهر القوة والبأس يقول: (( كان حسّان يخضب شاربه ... وعنفقته [3] بالحنّاء، ولايخضّب سائر لحيته. فقال له ابنه عبد الرحمن: يا أبتِ، لمَ تفعل هذا؟ قال: لأكون كأنّي أسدٌ والغٌ في دم ) ) [4] .

ولعل تركيز حسّان على الظهور بمظهر الاسد الشجاع عائدًا في حقيقته الى ما كان يُعرف عن حسّان من (جُبن) ، فكان يحاول أنْ يسدّ هذا النقص من خلال تركيزه على كل ما من شأنه أنْ يظهره بمظهر القوة، ففي إحدى أخباره يحدثنا

(1) - م. ن: 4/ 167 - 168.

(2) - ينظر: الاغاني: 4/ 137.

(3) - العنفقة: ما بين الذقن وطرف الشفة السفلى كان عليها شَعَر أم لم يكن، ينظر: لسان العرب: 10/ 277، مادة (عنفق) .

(4) - الاغاني: 4/ 136.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت