فهرس الكتاب
ومن شواهد ذلك أيضًا، ما يورده الاصبهاني في خبر إعرابي مع عبد الملك بن مروان، يقول الراوي: (( صنع عبد الملك بن مروان طعامًا فأكثر واطاب ودعا اليه الناس فأكلوا فقال بعضهم: ما اطيب هذا الطعام! ما نرى إنّ أحدا رأى اكثر منه ولا أكل اطيب منه: فقال اعرابي من ناحية القوم: اما اكثر فلا، واما اطيبّ فقد والله اكلتُ اطيب منه، فطفقوا يضحكون من قوله. فأشار اليه عبد الملك فأدني منه؛ فقال: ما أنت بمحقٍّ فيما تقول إلا أنْ تخبرني بما يبين به صدقك ) ) [1] .
عند هذه النقطة السردية يعمد الراوي الى اختيار الموضع الذي يسوق فيه قصته الثانية ليُثبت من خلالها صدق دعوى الاعرابي امام عبد الملك وليعطي لنفسه مسوغًا يعفيه من عقوبةٍ قد تطاله، يقول الخبر على لسان هذا الاعرابي: (( بينا أنا بهجرٍ [2] .. إذ تُوفي ابي وترك كِلًا وعيالًا، وكان له نخلٌ، فكانت فيه نخلة لم ينظر الناظرون الى مثلها، كأن تمرها أخفافُ الرباع [3] ولم يُرَ تمرٌ قَطُّ أغلظ ولا أصلب ولا أصغر نوى ولا أحلى حلاوة منه. وكانت تطرقها أتانٌ وحشية قد ألفتها تأوي الليل تحتها، .. فأعظمني ذلك ووقع مني كل موقع، فانطلق بقوسي واسهمي وانا أظن إنّي ارجع من ساعتي، فمكثتُ يومًا وليلة لا اراها، حتى إذا كان السحر اقبلت فتهيأت لها فرشقتها فأصبتها واجهزت عليها، ثم عمدتُ الى سرتها فاقتدرتها، ثم عمدتُ الى حطب جزل فجمعته الى رضف وعمدتُ الى زندي فقدحت واضرمتُ النار في ذلك الحطب، والقيتُ سرتها فيه .. ثم اقبلت اتناول الشحمة واللحمة فأضعها بين التمرتين وأهوي الى فمي، فبما احلف أنّي ما اكلت طعامًا مثله قطّ ) ) [4] .
(1) ـ الاغاني: 8/ 40.
(2) - هجر: اسم لمدينة.
(3) - الرباع: اول النتاج، ينظر: لسان العرب: 8/ 106، مادة (ربع) .
(4) - الاغاني: 8/ 40 - 41.