الصفحة 203 من 248

يتلقى ما يلقى على مسامعه، ولعلّ هذا ما يؤكد العبارة القائلة بأنّ المروي له هو من يحدد قبليًا نوعية ما يريد أنْ يُسرد عليه [1] .

ومن الطلب الداخلي ما ورد في خبر (ماويّة) زوجة حاتم الطائي وهي تتحدث عن كرم زوجها، يقول الخبر على لسان راويه ملحان ابن اخي ماويّة: (( قلتُ لماويّة: يا عمّة، حدثيني ببعض عجائب حاتم، فقالت: كلُّ أمره عجب، فعَنْ أيّه تسأل؟ قال: قلتُ: حدثيني ما شئت، قالت: اصابت الناس سنة، فأذهبت الخف والظلف، فإنّي وإيّاه ليلة قد اسهرنا الجوع، قالت: فأخَذَ عديًا وأخذتُ سفانة، وجعلنا نُعللهما حتى ناما، ... فإذا شيء قد اقبل، فرفع رأسه فإذا امرأة، فقال: ما هذا؟ قالت يا أبا سفانة؛ أتيتك من عند صبْيةٍ يتعاوون كالذئاب جوعًا، فقال: احضريني بيانك، فوالله لأشبعنّهم ... فلما جاءت قام الى فرسه فذبحها، ثم قدح نارًا ثم اججّها، ثم دفع اليها شفرة، فقال اشتوي وكُلي، ثم قال: ايقظي صبيانك ... فما أصبحوا وما من الفرس على الارض قليلٌ ولا كثيرٌ إلا عَظْمٌ وحافر، وانه لأشد جوعًا منهم، وما ذاقه ) ) [2] .

يطلب ملحان من ماويّة أنْ تُحدثه ببعض القصص التي وقعت لحاتم وكرمه، وماويّة بدورها تسأله عن أي حديث يشاء، فيطلب اليها أنْ تكون هي صاحبة الاختيار لتقص عليه ما يخطر ببالها من عجائب زوجها , وعلى اثر ذلك الطلب تتحفز ماويّة وتثار مخيلتها وتبدأ بالحديث وملحان يستمع اليها بشغف وتتبع، متأملًا في أخلاق رجل قلّ نظيره في الخلق العالي وايثار الاخرين على نفسه.

(1) - ينظر: السرد العربي القديم، صحراوي: 99.

(2) - الاغاني: 14/ 394 - 395.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت