ويرد الطلب الداخلي في خبر آخر من أخبار الاغاني حول الرشيد وابراهيم الموصلي، يحدثنا الموصلي بضمير المتكلم قائلًا: (( ارسل إليّ الرشيد ذات ليلة، فدخلتُ اليه فإذا هو جالس وبين يديه جارية عليها قميصٌ مورّد وسراويلٌ مورّدة وقناعٌ مورّد كأنّها ياقوتة على وردة؛ فلما رآني قال لي: اجلس، فجلست؛ فقال لي غنِّ ... فغنيته وشرب رطلًا وسقى الجارية رطلًا ثم قال: حدثني؛ فجعلتُ أحدثه بأحاديث القيان والمغنين طورًا، وأحاديث العرب وأيّامها وأخبارها تارةً، وانشده اشعار القدماء والمحدثين ) ) [1] .
يصدر الطلب بالسرد من قبل ذات داخلية متمركزة في النص هي ذات الرشيد الذي يأمر الموصلي بالحديث وهو في حالة من السُّكر والطرب .. واستجابة لطلب الرشيد يبدأ السارد المتمثل في شخص ابراهيم الموصلي بالحديث وسرد أخبار القيان وحوادث العرب وايامهم ملقيًا على مسامع الرشيد ما عَنَّ له في ذهنه، فجاء طلب الرشيد (المتلقي) وكأنّه اشبه بالامر الصادر الواجب التنفيذ، الذي يسعى السارد الى الامتثال له وتحقيقه.
ومن نماذج الطلب الداخلي الاخرى ما ساقه الاصبهاني في احدى أخبار ابي النجم العجلي قائلًا: (( قال هشام بن عبد الملك لابي النجم: يا ابا النجم حدثني. قال: عنّي او عن غيري؟ قال: لا بَلْ عنك ) ) [2] .
يصدر الطلب هنا من قبل هشام موجهًا طلبه بابتداء السرد نحو ابي النجم الذي يُخيّر صاحب الطلب بنوعية السرد أعنْ نفسه يحدثه أم عنْ غيره؟ فيكون اختيار
(1) - الاغاني: 5/ 299 - 300.
(2) ـ م. ن: 10/ 159، ولمزيد من الشواهد حول الطلب الداخلي ينظر مثلًا: 7/ 104، 9/ 205، 14/ 197.