وقد سعى الاصبهاني الى ايراد أخباره من موردين وتوثيقهما والبرهنة على صحتهما: الاول سماعي، والثاني كتابي، وهو في كلّ مرة يشير الى أسماء رواة ينقل عنهم سماعًا او نسخًا ليبين لقارئ أخباره مدى اهتمامه بصحة ما يروي وكأنّه يريد أنْ يضعَ طوق الصدق في رقبة المتلقي كي لا يشك هنيئة في مصداقية ما يقرأ .. ولذا قد عمد الى تنوع صيغ اسناده بعبارات متعددة امثال: (أخبرنا، أخبرني، حدّثنا، حدّثني، حكى، قال، زعم .. ) ،معلنًا من خلال هذه الصيغ الاسنادية في بداية كلّ خبر أنّ السرد الأخباري قد بدأ وتحدد نوعه وتمَّ اختيار اشخاصه مدللًا بذلك على أنّ السرد العربي القديم كان حريصًا على التزام افتتاحية معينة تتكرر بشكل ملحوظ [1] .
ان هذه الأخبار التي تتصدرها امثال هذه العبارات والصيغ الاسنادية تجعل الراوي فيها مفارقًا لمرويه مكتفيًا بوصفه وسيطًا ناقلًا للخبر من دون أنْ نجرّد الكاتب نصيبه من الابداع في إعادة الصياغة، بوصفه غير ملتزم بحرفية ما يقوم بنقله فمجال الحرية يكون اوسع [2] ، الى جانب ذلك فإنّ العبارات الافتتاحية (( تحيل على شكل سردي غير جاهز ولا محدود، فهو مهيأ لتقبل شيء من الزيادة والنقصان، وتقبل شيء من إلاضافة والتحوير في الشريط السردي ) ) [3] .
وفي ضوء كل ما تقدم يمكن القول إنّ النظام الاسنادي عمومًا يضعنا أمام وظيفتين هما (( تحقيق المصداقية الحكائية والتوثيق السردي من ناحية، وممارسة السارد لسلطته على المتلقي ) ) [4] من ناحيةٍ أخرى.
(1) - ينظر: الحكاية والتأويل: 34.
(2) - ينظر بنية السرد في القصص الصوفي: 94.
(3) - في نظرية الرواية: 171.
(4) - السرد العربي القديم، البنية السوسيو ثقافية: 7.