الصفحة 214 من 248

الواقعي مع الغرائبي، إثباتًا لبراعته القصصية من جهة وإشباعًا لميل القارئ في سماع الغريب والابتعاد عن الواقعية من جهة اخرى ليحلق بخياله نحو افاق غريبة لايمكنه ادراكها، الا من خلال الكلمات التي تستطيع وحدها الرحيل به نحو تلك العوالم.

ويهدف العجائبي (( فيما لم يستطعه الخطاب المباشر، الى مناوشة الواقع والاطاحة به، قصد تحريره من اوهامه وليس بهدف تقديم اجوبة جاهزة ) ) [1] ،من هنا كان توظيف الغرائبية وسيلة يسعى السارد من خلالها الى كشف مالم يستطع كشفه من خلال الواقعية كالاشارة الى ظلم سلطان أو استبداد سلطة، أو تجبّر باغي أو شيوع ظاهرة فاسدة في المجتمع.

* تجليات المظهر الغرائبي:

تتجلى الغرائبية في أخبار الاغاني على وفق اشكال متعددة أمثال إيراد الاصبهاني لحوادث (الجنّ) ونسج الأخبار حولها، ومسألة (الجنّ) من الامور التي ترددت كثيرًا في المرويات العربية القديمة ومردّها الى ما قبل ظهور الاسلام إذ كان العرب يزعمون إنّ لكل شاعر جنًّا يتولى مهمة الهامهِ الشعر، ولعل ذلك ناتج عن حالة الذهول والشذوذ التي كانت تعترض الشعراء وهي مزية من مزايا النبوغ الفني فنسبوه بدورهم الى الخبل والجنّ [2] ، وليس هذا فحسب بل كانت الكهانة تستعمل الجنّ والشياطين وتسخرهم لمعرفة المغيبات، إذ كان لكلّ كاهن صاحبه من الجنّ ينفذ اوامره [3] .

(1) - بنية المتخيل في نص الف ليله وليله: 235.

(2) - ينظر: الجن في الادب العربي، نهاد توفيق نعمة، المطبعة المخلصية، صيدا، لبنان، 1961 م: 31.

(3) - ينظر: م. ن: 130.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت