الصفحة 215 من 248

ويعلل المسعودي في مروج الذهب هذه الظاهرة (ظاهرة الجن) بقوله: (( إنّ ما تذكره العرب وتنبئ به من ذلك إنّما يعرض لها من قبل التوحّد في القفار والتفرد في الاودية ... لأنّ الانسان إذا صار في مثل ِ هذه الاماكن وتوحّد تفكر وإذا تفكر وَجَلَ وجَبُن، وإذا هو جَبُن داخلته الظنون الكاذبة والاوهام المؤذية السوداوية الفاسدة فصّورت له الاصوات، ومثلت له الاشخاص واوهمته المحال بنحو ما يعرض لذوي الوسواس، فيتوهم ما يحكيه من هتف الهواتف به واعتراض الجان له ) ) [1] .

إنّ الجنّ كائنات غير مرئية، تعجز العين البشرية عن ادراكها، إذ إنّ واحدة من ابرز صفات الجن هي التخفي والتستر [2] ، وهؤلاء القوم لهم طبقات مختلفة وانواع متعددة امثال السعلاة والغول والمارد والعفريت [3] ، وممن ورد ذكره في أخبار الاغاني (التابع) الذي هو ولد إبليس ويقال عنه إنّه يُخلق مع الانسان منذ يخلق ويقترن به يوحي لمتبوعه حيث يرافقه وينطق بلسانه وينبئه الامور تبكهناته [4] .

ومن التوابع ما وظفّه الاصبهاني في احدى حوادث اميّة بن ابي الصلت مع شيخ راهب رآه فقال لأميّة: (( انّك لمتبوع، فمن اين يأتيك رُئيك؟ قال: من شقي الأيسر. قال: فأيّ الثياب أحبّ اليك أنْ يلقاك فيها؟ قال: السواد. قال: كدت تكون نبي العرب ولست به، هذا خاطر من الجنّ وليس بملك، وانّ نبي العرب صاحب هذا الامر يأتيه من شقه الايمن، وأحبّ الثياب اليه أنْ يلقاه فيها البياض ) ) [5] .

(1) - مروج الذهب ومعادن الجوهر، ابو الحسن المسعودي، اعتنى بالكتاب: يوسف البقاعي، دار احياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط1، 2002م: 362.

(2) - ينظر: الجنّ في الادب العربي: 9 - 11.

(3) - ينظر: م. ن: 16 وما بعدها.

(4) - ينظر: م. ن: 32 - 33.

(5) - الاغاني: 4/ 32 - 33.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت