الصفحة 218 من 248

ورد هذا الخبر الذي ساقه راو ٍ كلي العلم، بتأسيسه على حدث غرائبي وشخصية عجائبية تمثلت في إحدى افراد الجنّ الذي وضع الاعشى في المرتبة الثالثة مقدمًا امرئ القيس وطرفة عليه، وذلك وفقا لرؤاه الخاصة وقناعته الذاتية.

فالاصبهاني إذن لا يستدعي حضور الجنّ في أخباره فقط بل يسعى الى التأكيد على أنّ لها دورًا تقوم به في تسيير الأحداث والتأثير في حياة الناس ومجرى امورهم.

ومن تجليات المظهر الغرائبي الاخرى ما ورد في أخبار الاغاني من الفراسة وفهم كلام الحيوان امثال ما جاء في خبر الكميت بعد خروجه الى الشام هربًا من السلطة، إذ يعترض طريقه أحد الذئاب فيسعى الكميت الى سقيه واطعامه، و يبدو أنّ هذا الذئب لا يزال مستمرًا بالعواء، فيحاور الكميت اصحابه قائلًًا: (( مالهُ وَيْله! ألم نطعمهُ ونُسْقه! وما اعرفني بما يريد! هو يعلمنا إنّا لسنا على الطريق؛ تيامنوا يا فتيان .. ) ) [1] وبعد أنْ يستجيب القوم لأمر الكميت ويتيامنوا يسكن عواء الذئب وكأنّه يريد أنْ يرد لهم الاحسان بالاحسان!.

ويبدو أنّ هذه الفراسة كانت صفة معروفة عند الكميت، إذ يرد خبر آخر يصور فيه الاصبهاني خبرة الكميت بزَجْر الطير، وهذا ما نلحظه في الخبر الآتي يقول الراوي: (( سقط غرابٌ على الحائط فنعب، فقال الكميت لأبي وضاح: إنّي لمأخوذ، وإنّ حائطك لساقط. فقال: سبحان الله! هذا ما لا يكون إنْ شاء الله فقال له: لا بُدَّ من أنْ تحوّلني. فخرج به الى بني علقمة - وكانوا يتشيعون - فأقام فيهم ولم يصبح حتى سقط الحائط الذي سقط عليه الغراب ) ) [2] .

(1) - م. ن: 17/ 6.

(2) - الاغاني: 17/ 5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت