ومثل هذا الامر العجيب ما ساقه الاصبهاني في خبر لأميّة بن ابي الصلت وزعمه إنّه فهم كلام شاة حاورت اختها، ففسّر ثغائها للحاضرين عنده [1] .
ومن تجليات الغرائبية تصوير الاصبهاني المفرط والمبالغ فيه للأحداث الواقعة امثال ما ينقله في خبر المجنون وحادثته مع زوج ليلى حبيبته، يقول الخبر: (( مرّ المجنون بزوج ليلى وهو جالس يصطلي في يوم شات وقد أتى ابن عم له في حي المجنون لحاجة، فوقف عليه ثم أنشأ يقول:
بِربِّكَ هلْ ضممتَ إليكَ ليلى ... قبيلَ الصُّبْحِ أو قبّلتَ فَاها
وهل رفتْ عليكَ قُرونَ ليلى ... رفيفَ الأقحوانةِ في نَداها
فقال: اللهُمَّ إذ حلفتني فنَعَم، قال: فقبض المجنون بكلتا يديه قبضتين من الجمر فما فارقهما حتى سقط مغشيًا عليه، وسقط الجمر مع لحم راحتيه، وعضَّ على شفتيه فقطعهما، فقام زوج ليلى مغمومًا متعجبًا منه فمضى )) [2] .
يشيّد الراوي العليم سرده للخبر المتقدم على أساسٍ من الغرائبية واللامعقول وذلك تمظهر في سقوط لحم راحتي المجنون وقطع شفتيه بعد أنْ عض عليهما من دون الاحساس بذلك وكأننا نقرأ واقعة صوفية يُستلب فيها الاحساس والشعور بأي ألم أو وجع، وكل هذا ذوبانًا في هوى المعشوق وتيَهًْا به.
خامسًا: الاشتغال على آلية المفارقة:
تُمثل المفارقة (( بنيةٌ تعبيرية، متنوعة التجليات، متميزة العدول على المستويات الايقاعية والدلالية والتركيبة ) ) [3] تقوم في اساسها على علاقة تضادية
(1) - ينظر: م. ن: 4/ 124.
(2) - م. ن:2/ 24 - 25، وللاستزادة ينظر مثلًا: 1/ 98 , 4/ 198، 3/ 33، 1/ 345، 13/ 4.
(3) - المفارقة في شعر الروّاد، قيس حمزة الخفاجي، دار الارقم للطباعة، الحلة / 2007م:63.