الصفحة 221 من 248

ومن صور المفارقة ما يرد في خبر ابي العتاهية، يقول الراوي: (( كان حَمْدوَيه صاحب الزنادقة قد اراد ابا العتاهية، ففزع من ذلك وقعد حجّامًا ) ) [1]

ولعل صورة المفارقة تتجلى في كون ابي العتاهية كان يُتهم بالزندقة وإذا به خوفًا على نفسه من الحبس والقتل، اتخذ حرفة له تقع على الجانب النقيض من اعتقاده، إذ يمتهن الحجامة ليظهر خلاف ما ابطن، خاصةً وأنّ الحجامة لا يقوم بها إلامسلم عارف بأمور الشريعة متفقّه فيها مضطلع بها، من هنا تجلت المفارقة في اجتماع المتناقضات في افعال ابي العتاهية.

ومن مفارقات ابي العتاهية الخبر الاتي الذي ورد في بخله مع احد الخدم، يقول راوي الخبر محمد بن عيسى: (( كان لأبي العتاهية خادمٌ أسودٌ طويلٌ كأنّه مِحْراك أتون، وكان يجري عليه في كل يوم رغيفين. فجاءني الخادم يومًا فقال لي: والله ما أشبع. فقلتُ: وكيف ذاك، قال: لأنّي لاأفتر من الكدّ وهو يجري عليّ رغيفين بغير إدام .. ) ) [2] .

وهنا يسعى محمد بن عيسى على اثر هذه الشكاية الى التماس ابي العتاهية في زيادة طعام الخادم ليعينه ذلك على العمل، فيوجّه خطابه لابي العتاهية قائلًا: (( يا ابا اسحاق، كم تجري على هذا الخادم في كل يوم؟ قال رغيفين. فقلت له: لا يكفيان. قال: من لم يكفه القليل لم يكفه الكثير، وكل من اعطى نفسه شهوتها هلك، وهذا خادم يدخل الى حُرمي وبناتي، فإنْ لمْ أعوّده القناعة والاقتصاد اهلكني واهلك عيالي ومالي ) ) [3] .

(1) - الاغاني: 4/ 7.

(2) - م. ن: 4/ 18.

(3) - م. ن والصفحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت