الصفحة 222 من 248

يحاول ابو العتاهية في هذه المحاورة تبرير بخله وقلة انفاقه على خادمه الشغول بأنّه يريد تعويده على الاقتصاد والقناعة، لتبرز المفارقة في جعل الاقتصاد مَظهرًا لحقيقة باطنية وصفة نفسية هي صفة البخل، ويستمر الراوي في عرض هذه المفارقة إذ يموت الخادم فيبخل عليه ابو العتاهية بتكفينه في ثوب خلق من دون ان يكلف نفسه عناء دينار ينفقه لشراء كفن لخادمه، ليؤكد ناقل الخبر على صفة المفارقة بعبارته لابي العتاهية (( لقد عوّدته الاقتصاد حيًا وميتًا ) ) [1] والمراد انّه عوّده على البخل وقلة الانفاق ليس في حياته فحسب بل وحتى بعد مماته.

ومن المفارقات الاخرى التي ساقها ابو الفرج ليتحف بها قرائه ما جاء في خبر احد رجال سنده وهو عمرو بن عقبة، يقول الخبر على لسانه (( خرجتُ انا واصحاب لي فيهم ابراهيم بن ابي الهيثم الى العقيق، ومعنا رجل ناسك كنا نحتشم منه، وكان محمومًا نائمًا، وأحببنا ان نسمع من معنا من المغنين ونحن نهابهُ ونحتشمه، فقلت له: إنّ فينا رجلًا ينشد الشعر فيحسن، ونحن نحب أنْ نسمعه، ولكنّا نهابك؛ قال: فما عليّ منكم! أنا محموم نائم، فاصنعوا ما بدا لكم؛ فاندفع ابراهيم بن ابي الهيثم فغنّى ...

جَدَّ الرحِيلُ وحثني صَحْبِي ... وأريدُ إمتاعًا من الزادِ

فأجاده واحسنه. قال: فوثب الناسك فجعل يرقص ويصيح: اريد إمتاعًا من الزادِ والله اريد امتاعًا من الزادِ ... )) [2] .

فالمفارقة هنا تتجلى في استدعاء الراوي لصفتين متناقضتين في شخصية الناسك هما صفتي التنسك وهي الظاهر، وصفة الطرب وهي بخلاف الاولى وتمثل باطن الرجل الذي كشف عنه اثر استماعه لغناء ابراهيم بن ابي الهيثم، إذ قام

(1) - الاغاني: 4/ 18.

(2) - م. ن: 2/ 398.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت