راقصًا يصيح (اريد امتاعًا من الزاد) ، مما يدلّ دلالة واضحة على أنّ الناسك او لنقل (المتنسك) لم يكن نائمًا فعلًا بل كان يصغي بكل حواسه الى صوت المغني الى حد أنّه حفظَ صوتَ غنائه فقام مرددًا له طاربًا.
وفي خبر لعبد الله بن المعتز تبرز صورة اخرى للمفارقة، يحدثنا الراوي قائلًا: (( كنتُ عند عبد الله بن المعتز ومعنا النُّميري، وحضرتُ الصلاة، فقام النُّميري فصلى صلاة خفيفة جدًا، ثم دعا بعد انقضاء صلاته وسجد سجدة طويلة جدًا حتى استثقله جميع من حضره بسببها، وعبد الله ينظر اليه متعجبًا ثم قال:
صلاتُكَ بينَ الورى نقرَة ٌ ... كما اختلسَ الجرعةَ الوالِغ ُ
وتسجدُ منْ بعدها سجدة ً ... كما خُتم المزود الفارغ ُ )) [1] .
يجسد الراوي وجه المفارقة في صورتين ضديتين: صورة الصلاة الخفيفة والسريعة جدًا التي أدّاها النُّميري، وصورة السجدة الثقيلة والطويلة جدًا، التي كان من المطلوب حدوث خلاف ذلك نظرًا لوجوب الصلاة واستحباب السجدة بعدها، فكان من ألأوْلى أنْ يطيل في صلاته ويخفف سجدته إلا أنّه فعل العكس مما جعل عبد الله بن المعتز وغيره يلتفتون الى ذلك متعجبين من فعل المتناقض مما اوجب المفارفة.
سادسا: تنوّع المادة السردية:
إنّ واحدة من الخصائص التي حفلت بها أخبار الاغاني هي تنوع المادة السردية وتضمنّها لأكثر من فنّ معرفي إذ جمع الكتاب بين الغناء والشعر، والقرآن
(1) - الاغاني: 10/ 283.