والحديث، الى جانب حضور الوصية والخطبة والمثل .. ولذا كان من الغبن أنْ نقول أنْ الاصبهاني قد عنى بالغناء فقط وان كان عنّون كتابه بالاغاني، إلا أنّ ذلك لا يعني اقتصاره على هذا الفنّ فقط، بل كان كتابه واسع الحدود، متعدد المعالم، فإذا قرأنا أخباره وجدناها تزخر بجملة علوم معرفية، ساعيًا نحو تقديم مادته لقراءة مسبوكه الالفاظ محبوكة النسيج.
وفي واحدة من أخبار بشار بن برد يستدعي الاصبهاني على لسان بشار بعض ايات القرآن الكريم ليضمنها خبره الاتي قائلًا: (( حدثني رجلٌ من اهل البصرة ممن كان يتزوج بالنهاريات [1] قال: تزوجتُ امراةً منهن فاجتمعت معها في عُلو بيت وبشار تحتنا .. فنهق حمارٌ في الطريق فأجابه حمار في الجيران وحمار في الدار فارتجت الناحية بنهيقهما، وضرب الحمار الذي في الدار الارض برجله وجعل يدّقها دقًا شديدًا فسمعت بشار يقول للمرأة: نُفخ - يعلم الله - في الصور وقامت القيامة أمَا تسمعين كيف يدقّ على اهل القبور حتى يخرجوا منها! قال: ولم يلبث أنْ فزعت شاة كانت في السطح ... وتطاير حمام ودجاج كُنّ في الدار .. وبكى صبي في الدار، فقال بشّار: صحّ والله الخبر ونُشر اهل القبور من قبورهم أزفت - يشهد الله - الازقة وزلزلت الارض زلزالها .. ) ) [2] .
يتضح التوظيف القرآني لبعض الايات الكريمة، واردًا على لسان بشار الذي رأى في استدعائها مناسبة للموقف الماثل امامه مشبهًا واقع الحال من ضرب الارض ودقها بشدة بموقف نشر الموتى من قبورهم حين ينفخ في الصور وهو اشارة الى قوله جلّ وعلا: (( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ) )
(1) - النهاريات، نسبة الى بني النهاري، قبيلة في اليمن.
(2) - الاغاني: 3/ 160.