فهرس الكتاب
حمّاد عن ابيه عن جدّه قال: أدركتُ يونس الكاتب وهو شيخٌ كبير فعرضتُ عليه غنائي، فقال: إنْ عشتَ كنتَ مغنيّ دهرك )) [1] ، ففراسة يونس الكاتب وخبرته المتراكمة في هذا الفن من جانب والمؤهلات التي تمتع بها الموصلي من عذوبة صوته وجمال الحانه، كانت العوامل التي اسهمت في انبثاق الاستباق المتجلي في صورة (فراسة) صدرت على لسان الكاتب .. ليتحفنا الاصبهاني فيما يروي بعد ذلك من اخبار اوضحت براعة الموصلي اذ صار اشهر من نار على علم في فن الغناء [2] .
3 -استباق التمني الذي يظهر في صورة (أمنية) تتمناها واحدة من الشخصيات المشاركة في الخبر، وبمرورُ الزمان تتحقق تلك الأمنية، متخذة لها حيزًا ضمن اشكال الاستباق في كتاب الاغاني.
ومن النماذج التي نمثل بها خبر صخر بن الجعد وصديقه عوام بن عقبة، تدور قصتهما حول وفاة حبيبة عوّام فيتألم لذلك مبادرًا لرثائها بمرثيّة حارّة .. فتتأجج مشاعر صخر آنذاك متمنيًا أنْ يُدرك وفاة حبيبته (كأس) ليرثيها هو الاخر .. يقول الراوي: (( كان صخر بن الجعد المحاربي خِدْنًا لعوّام بن عقبة، وكان يهوى امراة من قومه، يقال لها: سوداء، فماتت، فرثاها، فلما سمع صخر بن الجعد المرثيّة، قال: وددتُ أنْ أعيش حتى تموت كأسٌ فأرثيها، فماتت كأس، فقال:
على امِّ داودَ السلامُ ورحمةٌ ... من الِله يجري كلُّ يومٍ بشيرُهُا .. )) [3] .
وهكذا تتحقق تلك الامنية بوفاة (كأس) ليرثيها (صخر) بإحدى قصائده، ولعل امنية صخر هذه لم تكن امنية على وجه الحقيقة، اذ من الغريب واللامعقول ان
(1) ـ م. ن: 5/ 230.
(2) ـ ينظر: م. ن: 5/ 231 وما بعدها.
(3) ـ الاغاني: 22/ 36.