الصفحة 68 من 248

ومن الحذف الضمني ايضا ما نقرأه في خبر الشاعر المعروف بالقتّال الكلابي، اذ يحدثنا الراوي قائلا: (( حبس القتّال في دم ابن عمه الذي قتله، فحبس زمانًا في السجن، ثم كان بين ابن هبّار القرشي وبين ابن عم له من قريش إحْنة، فبلغ ابن عمه ان القتّال محبوس في سجن المدينة، فاتاه فقال له: أرايت ان انا اخرجتك أتقتل ابن عمي المعروف بابن هبّار؟ قال: نعم، قال: فإني سارسل اليك بحديدة في طعامك، فعالج بها قيدك حتى تفكه ثم البسه حتى لا تنكر، فإذا خرجت الى الوضوء فاهرب من الحرس ) ) [1] .

يستدعي الراوي تقنية الحذف وهو يعرض لما جرى للقتّال بقوله (فحبس زمانًا في السجن) وهذه العبارة ضمنها الراوي حذفًا ضمنيًا استبعد فيها تحديد المدة التي قضاها القتّال محبوسًا من ناحية، الى جانب اختزاله لكل ما جرى فيها من احداث وعلى اثر هذا الحذف يتسائل القارئ: هل تعرض القتال للتعذيب في سجنه؟ هل اثّر سجنه في تحريك مخيلته لينظم قصيدة ما تصور مشاعر الغربة والالم التي تعرض لها؟ وما شابه ذلك، لكن كل هذه التساؤلات لا تلقى جوابًا شافيًا لها في طيات الخبر ذلك ان الراوي تخطاها من دون التوقف عندها ولو قليلًا.

ويورد الاصبهاني خبرًا عن تشوق الرشيد لمدينة بغداد قائلًا: (( تشوق الرشيد بغداد وهو بالرقة فانحدر اليها، واقام بها مدة، وخلف هناك بعض جواريه، وكانت حظيّة له فيهن خلفها لمغاضبةٍ كانت بينه وبينها، فتشوقها تشوقا شديدًا، وقال فيها:

سلامٌ على النازح المُغتربْ ... تحية صبٍّ به مكتئب )) [2] .

(1) ـ م. ن: 24/ 181.

(2) ـ الاغاني: 18/ 308.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت