فهرس الكتاب
فأعدّي له طعامًا، ففعلت. فلما كان من الغد جاء قيس فصوّت بالخادم: قولي لسيدكِ: صاحب الناقة بالباب. فعرفت لبنى نغمته فلم تقل شيئًا. فقال زوجها للخادم: قولي له: ادخل، فدخل فجلس فقالت لبنى للخادم: قولي له: يا فتى مالي اراك اشعث اغبر؟ فقالت له ذلك. فتنفس ثم قال لها: هكذا تكون حال من فارق الاحبة واختار الموت على الحياة، وبكى. فقالت لها لبنى: قولي له: حدثنا حديثك. فلما ابتدأ يحدث به كشفت الحجاب وقالت: حسبك! قد عرفنا حديثك! واسبلت الحجاب. فبهت ساعة لا يتكلم ثم انفجر باكيًا ونهض فخرج .. وقالت لبنى لزوجها: ويحك! هذا قيس بن ذريح. فما حملك على ما فعلت به؟ قال: ما عرفته )) [1] .
يوظف الراوي الحوار بين شخصيات الخبر معتمدًا فيه صيغة الفعل (قال) ، محاولًا أنْ يرسم لنا من خلال هذا التحاور مشهدًا يعكس أفعال الشخصيات وكأنّها تتحرك أمامنا وتتبادل الأدوار في الحديث، ليبتعد الخبر عن السرد الصرف ويقترب من مسرحة الاحداث، اذ يختفي صوت الراوي وتتقدم شخصيات الخبر لتتحاور فيما بينها وليكون الحوار هو الوسيلة الكاشفة عن مشاعرها الباطنية وهواجسها وانفعالاتها.
وفي مشهد آخر يسوقه الاصبهاني يدور التحاور بين شخصيات حفلت بدور المشاركة في الأحداث، وذلك في خبر ابراهيم بن المهدي الذي رأى الامام علي (عليه السلام) في منامه، فقصَّ رؤياه على المأمون، يقول: (( فما رأيتُ له في الجواب بلاغة كما توصف عنه. فقال: وأيّ شيء قال لك؟ فقال: ما زادني على أنْ قال سلامًا سلامًا. فقال له المأمون: قد والله اجابك ابلغ جواب. قال: وكيف؟
(1) - م. ن: 9/ 204 - 205.