فهرس الكتاب
وحذرني فجعل يلوذ بناقةٍ فيها حمراء، فقلتُ في نفسي: والله إنّه ليثق بها فأفوّق له، ووضع رجله في أرجلها وجعل يدور معها ... وأرميه حتى أشرف فوضعت سهمي في قلبه فخرّ، وندّت الناقة شيئًا واتّبعتُها فرجعت، فساعة استويت عليها كرّت نحو الحي تريع وتبعها الخلفات وجعلتُ أسكّنها فذهبت، فلما خشيتُ أنْ تطرحني في أيدي القوم رميتُ بنفسي عنها فانكسرتْ رجلي .. )) [1]
في هذا الخبر تنفصلُ الشخصية عن ذاتها لتتحاور معها وكأنّها كائن آخر يسمع منها من دون أنْ نجد جوابًا لذلك، وهو يخاطب نفسه في ناقة العبد وكيفية اعتماد الوسيلة المناسبة لقتله والانقضاص على نياقه الأخريات .. وهو حوار تجلى في عبارة الراوي (فقلت في نفسي) ليسهم هذا الحوار الى جانب اسلوب السرد الذاتي الذي اعتمده الراوي في الكشف عن نوازع تأبط شرًا وهواجسه الداخلية فكانت نقلًا امينًا لبواطنه من دون توسط من قبل الراوي، مما اسهم في إضاءة النص وإنارة القارئ من خلال هذا التوظيف النصِّي للحوار الداخلي.
ويبرز الحوار الداخلي في تضاعيف خبر يورده الاصبهاني عن حمّاد الراوية اذ يحدثنا حمّاد بقوله: (( كان انقطاعي الى يزيد بن عبد الملك، فكان هشام يجفوني لذلك من دون سائر اهله من بني امية في ايام يزيد، فلما مات يزيد وافضت الخلافة الى هشام خفته، فمكثت في بيتي سنة لا اخرج الا لمن اثق به من اخاني سرًا؛ فلما لم اسمع احدًا يذكرني سنة أمنت فخرجت فصليت الجمعة، ثم جلست عند باب الفيل فاذا شرطيان قد وقفا علي فقالا لي: يا حمّاد، اجب الامير يوسف بن عمر؛ فقلت في نفسي: من هذا كنت احذر، ثم قلت للشرطيين: هل لكما ان تدعاني اتي الى اهلي فاودعهم وداع من لا ينصرف اليهم ابدًا ثم اصير معكما اليه؟
(1) - الاغاني: 21/ 151.