فهرس الكتاب
تطرح هذه المناجاة ما يحصل من صراع نفسي تعيشه الشخصية، فينتقل المتلقي الى عالمها الداخلي ليقف على حقيقة أفكارها وهواجسها التي عبّرت عنها من خلال المناجاة بشكل صريح .. فكانت وسيلةَ التعبير عن الذات بوساطة الحوار المنطلق من الشخصية والعائد اليها.
وبعد هذه المحاورة الداخلية التي جرت، يستمر الراوي (صعصعة) في اتمام بقية الخبر إذ يقف على حقيقة تلك النار المُوقدة ليجد عند اهلها امراةً طالقًا تلدُ بنتًا فيفديها من الوأد وهنا يعود مرة أخرى لأجراء محاورة داخلية يكشف لنا فيها ما قرر أنْ يفعله ازاء كل بنت تُوأد، يقول بعد أنْ خرج من عند زوج هذه المرأة: (( فلما برزتُ من عنده حدثتني نفسي وقلتُ: إنّ هذه لمكرمة ما سبقني اليها أحد من العرب، فآليتُ ألا يئد أحد بنتًا له إلا أشتريتها .. ) ) [1] .
لعلنا نلاحظ انفصال شخصية صعصعة عن ذاتها وهو يحاورها كأنّها طرفٌ آخرٌ يسمع منه، فهو يوجّه حوارَه الى الداخل فاسحًا المجال أمام ذاته للتعبير عن مُكرمة افتداء البنات التي ألزم نفسه بها اثر تلك الحادثة التي مرّت عليه.
وفي مناجاة أخرى في احدى اخبار أبي العتاهية ينجح الراوي في انتاج النصّ وتشكيله، يقول الخبر: (( كان لأبي العتاهية جارٌ يلتقط النَّوَى ضعيفٌ سيءُ الحال متجمّلٌ عليه ثياب فكان يمر بأبي العتاهية طرفي النهار، فيقول أبو العتاهية: اللهم أغنه عما هو بسبيله، شيخٌ ضعيفٌ سيءُ الحال عليه ثيابٌ متجمل، اللهم أعنه، أصنع له، بارك فيه، فبقى على هذا الى أنْ مات الشيخ نحوًا من عشرين سنة، ووالله إنْ تَصدق عليه بدرهمٍ ولا دانق قطّ، وما زاد على الدعاء شيئًا .. ) ) [2] .
(1) - الاغاني: 21/ 278.
(2) - م. ن: 4/ 17.