الصفحة 94 من 248

الرواية بل إنّ صورة المكان تتنوع حسب زاوية النظر التي يُلتقط منها )) [1] , هذا فضلًا عن دور التجربة الشخصية في تحديد نوع المكان وخاصيته فـ (( الانسان بحركته وفعله هو الذي يشكّل المكان ويُقيم أعمدته ) ) [2] .

إنّ واحدة من مزيات كتاب الاغاني هي التعدد الواسع للامكنة التي يذكرها أبو الفرج، نظرًا لكثرة ما ينقل لنا من أخبار وأحداث وقعت لشخصيات أخباره ومن ثَمّ تتعدد الامكنة نظرًا لتعدد الأحداث، الناجمة بدورها عن تعدد الشخصيات، وفي هذه المبحث سأحاول أنْ أدرس الامكنة الواردة في أخبار الاغاني تحت ثنائية المكان (الاليف / المعادي) ،على وفق ما رصدته من أمكنة، لا أقول جميعها بل أكثرها ترددًا في الأخبار, ثم بيان دلالة ذلك ولكن قبل كل شيء نقول ليس هناك مكان أليف حقيقة او مكان معادي واقعًا، مختصًا بصفته ـ كما ذكرنا قبل قليل ـ من خلال تجربة الشخصية وما يجري عليها في هذا المكان او ذاك من أحداث، فكلما كانت تلك الأحداث أحداثًا سارّة ومبعث املٍ وطمأنينة كلما ارتاحت النفس للمكان وألفته فكان في نظرها مكانًا اليفًا مهما كان ضيقًا او مغلقًا، في حين ترى النفس في هذا الحيز او ذاك مكانًا معاديًا فيما إذا كانت قد تعرضت او تتعرض فيه الى اذى مهما كان نوعه، سواءً أكان إذى جسديًا او فكريًا، إذ لا فرقَ في ذلك، ومن ثَمّ يكون مثل هكذا مكان مبعث قلق وخوف بل وربّما مبعث رعب للشخصية لذا فهي لا تجرؤ على أنْ تفكرَ فيه فضلًا على أنْ تكون لها الجرأة على وطأهِ او العيش فيه مهما كان متسعًا، من هنا كانت نظرة كلّ شخصية للمكان تختلف عن نظرة اخرى غيرها، بل حتى للشخصية ذاتها، فلربّما كانت ترى في إحدى الامكنة مكانًا اليفًا لها، ثم بمرور الزمن يصبح بالنسبة اليها مكانًا معاديًا، وبالعكس، تبعًا لنوعية التجربة الشخصية من جهة، ولتغير الأحداث الجارية عليها من جهة اخرى.

(1) - بنية النص السردي: 63.

(2) - جماليات المكان في الرواية العربية، شاكر النابلسي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 1994م: 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت