الصفحة 99 من 248

إنّ البيت عمومًا مهما كانت سعته او هيأته فهو يمثّل ملجأ الانسان الاول وموطن ذكرياته التي تحتفظ بها اركانه وزواياه، منذ الطفولة وحتى المشيب، فالانسان يرتبط ببيته ارتباطًا وثيقًا، ولعلنا نسمع عن هذا او ذاك ممن طلبوا ان تكون بيوتهم قبورًا لهم، رغبةً منهم في عدم مفارقة هذا الموطن الصغير حتى بعد الموت وانعدام الحياة، من هنا بدا الانسان بلا بيتٍ يحتضنه (( كائنًا مفتتًا ) ) [1] فهو (( يحتوينا وينام فينا، وفي الوقت نفسه يمثل الارض، أي تحويل بقعته الصغيرة الى كون شامل ) ) [2] وإدراكًا لأهمية البيت في حياة البشر فقد سعى الروائيون الى توظيفه في قصصهم ورواياتهم، ووقفوا عند كل شيء فيه وصوّروا (سعته، ضيقه، هدؤه، صخبه، الوانه، ادواته ... ) ايمانًا منهم بأنّ كل شيء فيه يوحى بذكرى معينة ويرمز الى قيمة ما عند الانسان.

يُصور الاصبهاني على لسان احدى شخصياته الأخبارية (حمّاد الراوية) دارًًا من دور الخلفاء والمتمثل ببيت هشام بن عبد الملك حين استدعاه على الرغم من الجفاء الذي كان بينهما نظرًا لانقطاع حمّاد الى يزيد بن عبد الملك من دون هشام .. يقول حمّاد واصفًا بيت هشام حين دخله:

(( فدخلتُ عليه في دارٍ قوراء [3] مفروشة بالرخام، وهو في مجلس مفروش بالرخام، وبين كلّ رخامتين قضيب ذهب، وحيطانه كذلك، وهشام جالس على طنفسة حمراء وعليه ثيابُ خزّ حُمر وقد تضمّخ بالمسك والعنبر، وبين يديه مسك مفتوت في اواني ذهب يقلبه بيده فتفوح روائحه، فسلمت عليه فردّ علي، واستدناني فدنوتُ حتى قبّلّت رجله، وإذا جاريتان لم أرَ قبلهما مثلهما، في أذني كلّ واحدة منهما حلقتان من ذهب فيهما لؤلؤتان تتوقدان، فقال لي: ... أتدري فيم بعثتُ

(1) - جماليات المكان، باشلار: 45.

(2) - اشكالية المكان في النص الادبي: 20 - 21.

(3) - قوراء: واسعة المساحة، ينظر: لسان العرب: 5/ 122، مادة (قور) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت