السكوت عليها، وهذا ما ذهب إليه ابن السرَّاج حيث قال:"وحقُّ المبتدأ أن يكون معرفة أو ما قارب المعرفة من النكرات" [1] .
ومسوِّغات الابتداء بالنكرة كثيرة، تلتقي جميعها في حصول الفائدة وتمامِها، فكلُّ نكرة مفيدةٍ تصلح للابتداء [2] . ومن هذه المسوغات التي ذكرها النحاة:
(1) أن تكون موصوفة لفظًا أو تقديرًا أو معنى. فمن الموصوفة لفظًا قوله تعالى: {وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} [الأنعام 6/ 2] ، وقوله عزَّ وجلَّ: {لَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ} [البقرة 2/ 221] . ونحو قولك:"خيرٌ منك جاءني" [3] أو"صاحبٌ لزيد عندي" [4] أو"رجلٌ من تميم جاءني" [5] .
ومن الموصوفة تقديرًا قولهم:"السمنُ منوانِ بدرهم" [6] ؛ أي: منوان منه بدرهم، وقولهم:"شرٌّ أَهَرَّ ذا نابٍ" [7] ؛ إذ المعنى: شرٌّ أيُّ شرٍّ، قدر لا يغالب.
ومن الموصوفة معنى:"رُجَيْلٌ جاءني" [8] ؛ لأنَّه في معنى: رجل صغير، وقولهم:"ما أحسنَ زيدًا" [9] ؛ لأنَّه في معنى: شيءٌ عظيمٌ حسَّن زيدًا [10] .
والغاية من وصف النكرة جعلُها مفيدةً ليصحَّ الابتداء بها والإخبارُ عنها [11] .
(2) أن تكون مسبوقة بنفي أو استفهام، فالنفي نحو قوله تعالى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفَاعَةٌ} [البقرة 2/ 54] ، وقولِه عزّ وجلّ: {فلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأحقاف 46/ 13] ، وقولِهم:"ما أحدٌ في الدار" [12] و"ما أحدٌ خيرٌ منك" [13] . والاستفهام نحو قوله تعالى: {أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ} [النمل 27/ 60] ، وقوله عزَّ وجلّ: {هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} [ق 50/ 30] ، وقولِهم:"أرجلٌ قائمٌ أم امرأةٌ" [14] .
(3) أن يُراد بها معنى الدعاء والتعجب، فالدعاء نحو قوله تعالى: {سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} [15] [مريم 19/ 47] ، وقولِه عزَّ وجلّ: سَلامٌ عَلَى إِلْ
(1) - الأصول: 1/ 59.
(2) - ينظر: مُغْني اللبيب: 608، أوضح المسالك: 1/ 143.
(3) - ينظر: المقتضَب: 4/ 127.
(4) - المصدر نفسه: 4/ 127.
(5) - ينظر: الأصول: 1/ 59، شرح ابن يَعِيش: 1/ 225.
(6) - ينظر: الأصول: 1/ 69، الإيضاح: 93، اللُّمَع: 94، المقتصد: 1/ 281، شرح ابن يَعِيش: 1/ 233، هَمْع الهوامع: 1/ 326.
(7) - في مَجْمَع الأمثال للميدانيّ (أبي الفضل، أحمد بن محمَّد النيسابوريّ: ت518هـ) ، 1/ 370: يقال: أهرَّه، إذا حَمَلَهُ على الهَرِير، وهو صوت دون النُّبَاح، ذو الناب: الكلب، يضرب المثل في ظهور أمارات الشرِّ ومَخَايِلِه. وفي اللسان، مادة (هرر) ، 6/ 794، أنَّ الهرير: صوت الكلب دون النباح من قلَّة صبره على البرد. وينظر: المقتصد: 1/ 308، شرح ابن يَعِيش: 1/ 225، شرح الرضيّ: 1/ 202، هَمْع الهوامع: 1/ 326.
(8) - ينظر: هَمْع الهوامع: 1/ 327.
(9) - ينظر: الكتاب: 1/ 72.
(10) - ينظر: مُغْني اللبيب: 609، أوضح المسالك: 1/ 143، شرح قطر الندى: 334.
(11) - ينظر: نظام الجملة عند ابن هشام: 68.
(12) - ينظر: الأصول: 195، مُغْني اللبيب: 612، شرح شذور الذهب: 131 - 132، أوضح المسالك: 1/ 143 - 144.
(13) - ينظر: شرح ابن يَعِيش: 1/ 224، شرح الرضيّ: 1/ 202، مُغْني اللبيب: 612، هَمْع الهوامع: 1/ 327.
(14) - ينظر: الأصول: 1/ 59، شرح ابن يَعِيش: 1/ 225، شرح الرضيّ: 1/ 203، هَمْع الهوامع: 1/ 327.
(15) - ينظر: شرح ابن يَعِيش: 1/ 225، شرح الرضيّ: 1/ 203، هَمْع الهوامع: 1/ 327.