فهرس الكتاب
أخبرني يا ذا خولان ماذا يقولون لك فتكلم عند ذلك؛ وقال لوهب: إنهم يأمرونني أن لاأتصدق إلا على من يرى رأيهم , ولا أستغفر إلا له . فقال: صدقت هذه محنتهم الكاذبة ؛ فأما قولهم في الصدقة؛ فإنه قد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أن امرأة من أهل اليمن دخلت النار في هرة ربطتها. أفإنسان ممن يعبد الله يوحده ولا يشرك به أحب إلى الله أن يطعمه من جوع أو هرة , والله يقول: { ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا} الآيات , وأما قولهم لا يستغفر إلا لمن يرى رأيهم أهم خير أم الملائكة , والله يقول: { ويستغفرون لمن في الأرض } فوالله ما فعلت الملائكة ذلك حتى أمروا به {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون } وجاء ميسرا {ويستغفرون للذين آمنوا} يا ذا خولان إني قد أدركت صدر الإسلام ؛ فوالله ما كانت الخوارج جماعة قط إلا فرقها الله على شر حالاتهم , وما أظهر أحد منهم قوله إلا ضرب الله عنقه , ولو مكن الله لهم من رأيهم لفسدت الأر ض وقطعت السنبل والحج , ولعاد أمر الإسلام جاهلية , وإذا لقام جماعة كل منهم يدعو إلى نفسه الخلافة مع كل واحد منهم أكثر من عشرة آلاف يقاتل بعضهم بعضا , ويشهد بعضهم على بعض بالكفر حتى يصبح المؤمن خائفا على نفسه ودينه ودمه وأهله وماله؛ لا يدري مع من يكون قال تعالى: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } وقال: { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا } فلو كانوا مؤمنين لنصروا وقال: { وإن جندنا لهم الغالبون } ألا يسعك يا ذا خولان من أهل القبلة ما وسع نوحا من عبدة الأصنام إذ قال له قومه { أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} إلى أن قال: فقال ذو خولان: فما تأمرني؟ قال: انظر زكاتك فأدها إلى من ولاه الله أمر هذه الأمة وجمعهم عليه ؛ فإن الملك من الله وحده وبيده يأتيه من يشاء ؛ فإذا أديتها إلى والي الأمر برئت منها , وإن كان فضل فصل به أرحامك ومواليك وجيرانك والضيف. فقال: اشهد أني نزلت عن رأي