ولفظة ( عن ) صيغة أداء، استعملت في الأسانيد المتصلة، كما أنها أيضًا استعملت في الأسانيد غير المتصلة، وهي في حد ذاتها لا تفيد الاتصال كما أنها أيضًا لا تُفيد عدم الاتصال، فهي تستعمل في الأمرين كليهما.
وقد كَثُرَ ورودها في الأسانيد المُدلسة والمنقطعة، واستعملها المُدلِسون في أسانيدهم غير المتصلة، كذلك المُرسِلون استعملوها في أسانيدهم المرُسلة.
قال الحافظ الخطيب البغدادي رحمه الله في الكفاية في علم الرواية (ص325) : ( وقول المحدث: ثنا فلان قال ثنا فلان أعلى منزلة من قوله ثنا فلان عن فلان. إذ كانت منزلة( عن ) مستعملة كثيرة في تدليس ما ليس بسماع).اهـ
فالإتيان بلفظة ( عن ) فيما لم يُسمع من الأسانيد المرسلة والمنقطعة معروف ومُشتهر بين المحدثين، وهو من عاداتهم في الرواية بالعنعنة. ( ) انظر السنن الأبين لابن رُشَيْد (ص22) والنكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (ج2ص584) .)
وقد عثرت على نصوص لشعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان، فيها إشارات واضحة على أن السند المعنعن لا يعتبر متصلًا ما لم يثبت سماع رواته بعضهم من بعض. ( ) انظر العلل لأحمد (ج2ص21) والمجروحين لابن حبان (ج1ص37) والمحدث الفاصل للرامهرمزي (ج1ص37) والسير للذهبي (ج7ص208) .)
ولذلك رجح أهل العلم صحيح الحافظ البُخَارِيّ رحمه الله على صحيح الحافظ مُسْلِمٍ رحمه الله لشرطه.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في الباعث الحثيث (ص18) : (والبُخَارِيّ أرجح، لأنه اشترط في إخراجه الحديث في كتابه هذا: أن يكون الراوي قد عاصر شيخه وثبت عنده سماعه منه، ولم يشترط مُسْلِمٌ الثاني، بل اكتفى بمجرد المعاصرة، ومن هَهُنا ينفصل لك النزاع في ترجيح تصحيح البُخَارِيّ على مُسْلِمٍ، كما هو قول الجمهور) .اهـ
قلت: وإن قلنا بأن الراوي أدرك وعاصر شيخه لكن لا يلزم منه أنه سمع منه. ( ) فلا يحكم بمجرد ذلك على أن السند متصل.)