الصفحة 92 من 109

الرحمانية.

ومن هؤلاء من إذا حضر سماع المكاء والتصدية يتنزل عليه شيطانه حتى يحمله في الهواء [1] ويخرجه من تلك الدار، فإذا حصل رجل من أولياء الله تعالى طرد شيطانه فيسقط كما جرى هذا لغير واحد.

ومن هؤلاء من يستغيث بمخلوق إما حي أو ميت سواء كان ذلك الحي مسلمًا أو نصرانيًا أو مشركًا فيتصور الشيطان بصورة ذلك المستغاث به [2] ويقضي بعض حاجة ذلك المستغيث فيظن أنه ذلك الشخص أو هو ملك على صورته وإنما هو شيطان أضله لما أشرك بالله كما كانت الشياطين تدخل الأصنام [3] وتكلم المشركين.

ومن هؤلاء من يتصور له الشيطان، ويقول له: أنا الخضر، وربما أخبره ببعض الأمور وأعانه على بعض مطالبه، كما قد جرى ذلك لغير واحد من المسلمين واليهود والنصارى وكثير من الكفار بأرض المشرق والمغرب يموت لهم الميت فيأتي الشيطان بعد موته على صورته وهم يعتقدون أنه ذلك الميت ويقضي الديون ويرد الودائع ويفعل أشياء تتعلق بالميت ويدخل على زوجته ويذهب وربما يكونون قد أحرقوا ميتهم بالنار كما تصنع كفار الهند فيظنون أنه عاش بعد موته.

ومن هؤلاء شيخ كان بمصر أوصى خادمه، فقال: إذا أنا مت فلا تدع أحدًا يغسلني فأنا أجيء وأغسل نفسي، وفلما مات رأى خادمه شخصًا في صورته فاعتقد أنه هو دخل وغسل نفسه، فلما قضى ذلك الداخل غسله - أي غسل الميت- غاب، وكان ذلك شيطانًا وكان قد أضل الميت، وقال: إنك بعد الموت تجيء فتغسل نفسك فلما مات جاء -أيضًا- في صورته ليغوي الأحياء كما أغوى الميت قبل ذلك [4] .

(1) لا يطير الجن بأحد.

(2) وهذا لم يحدث أيضًا ويظهر أن الشيخ مع فرط ذكائه كان طيب القلب جدًا حتى جازت عليه هذه الحيل.

(3) إن الشياطين لا تدخل الأصنام ولا تكلم المشركين، والحقيقة أنه كان لكل صنم كاهن خاص. وكانت الأصنام تنصب في هياكل أي حجرات كبيرة متسعة كما شاهدت ذلك في معبد أبيدوس ومعبد الأقصر ومعبد الكرنك. ولم يكن يباح للشعب أن يدخل هذه الهياكل التي لم يكن يباح الدخول فيها إلا للكاهن وكانت هذه الهياكل مظلمة وكان للكاهن معين يقف وراء الصنم ويخاطب الشعب الجاهل الغافل فيظن أن الصنم يكلمه.

(4) وهذه خرافة -أيضًا- ولا أدري كيف جازت على الشيخ مع فرط ذكائه وغزير علمه وسعة اطلاعه، ولكن البيئة وتكرار الأخبار وتوكيدها وكثرة من يرويها تكون إيحاءً قويًا يجعل المستعدين للتصديق يصدقون ما لا يصدق. ثم يخبرون به بسلامة نية وطهارة طوية. وحقيقة الأمر فيها أن الخادم دجال يريد أن يكون سادنًا لضريح هذا الميت فأشاع هذه الشائعة ليعتقد الناس في الميت الولاية ويبنون له ضريحًا يقوم على سدانته هذا الخادم وتنهال عليه النذور من حيث لا يشعر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت