فهرس الكتاب
ويرى الدكتور النجار أن المنافسة الأوروبية على التفوق التجاري في شط العرب ، وما ترمي إليه من أغراض سياسية ، ثم اتساع نفوذ قبيلة بني كعب على طول شط العرب . قد لفت أنظار الدولتين المتصارعتين آنذاك ، الفارسية ، والعثمانية حول أهمية السيطرة على تلك الربوع . ولما كانت منطقة شط العرب من مناطق الحدود بين الإمبراطوريتين ، لذلك فإنها شهدت صراعًا عنيفًا بين الفرس والعثمانيين. وإذا كانت معاهدة ( قصر شيرين ) سنة 1639 ، أول معاهدة رسمت الحدود بين العراق العثماني وفارس بشكل عام ، إلا أنها أهملت الإشارة إلى الحدود في شط العرب ، الأمر الذي خلق مشكلات معقدة بن الطرفين ازدادت حدتها طوال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، إلى أن وضعت بريطانيا أول مشروع لتحديد الحدود الفارسية ـ العثمانية في منطقة شط العرب ، وهو المشروع الذي وضعه عالم الآثار هنري لا يارد ، وجعل في شط العرب والمحمرة ( خورمشهر ) تابعين للعراق العثماني ، وجعل نهر بهمشير الذي يؤدي إلى الخليج ( ويوازي شط العرب ) المنفذ المائي الوحيد لفارس ، وهو نهر يفصل جزيرة عبادان عن الساحل الشرقي . ويعترض المشروع بشدة على أي حق للدولة الفارسية في الملاحة في شط العرب ، لأن نهر بهمشير ـ في نظره ـ يسد حاجة الفرس كمنفذ لهم إلى الخليج ، وعليه فإنه اتخذ في تقريره الأخذ بمبدأ الحدود الفعلية على طول الضفة اليسرى ، لأنه خط ثابت جدًا من ناحية العدالة .
وعارضت روسيا القيصرية المشروع بشدة ، طمعًا في أن تصبح ضفة شط العرب الشرقية من مناطق نفوذ روسيا ، التي تسهل لها الوصول إلى مياه الخليج الدافئة ، وضغطت تركيا على بريطانيا ، لتقبل المشروع ، ولكن بريطانيا اعترضت نزولًا على إلحاح روسيا ، واقتناعها ـ إلى حد ما ـ بوجهة النظر الروسية الخاصة بضم الضفة الشرقية كلها إلى فارس ، وحتى لا تقف روسيا ضد الأهداف البريطانية لاستغلال منطقة نهر كارون ، لخدمة المصالح البريطانية .