فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 136

وهذا إمامنا العظيم مالك بن أنس الذي عاش نفس الفترة المظلمة، ورأى خروج الخوارج ، وانتفاض العلويين ، وما نجم عن ذلك من نكبات لحقت بالأمة دون أن تجني من وراء ذلك سوى الدمار ، والفساد.. وقد تلقى مالك من أفواه شيوخه أخبار واقعة"الحرة"، وكيف استبيحت مدينة الرسول صلوات الله وسلامه عليه ، ولم تترك فيها حرمة من غير أن تهتك ، وكيف تعرض أولاد ألأنصار للإذلال فسيقوا في الأغلال . ولم يقم حق، ولم يدفع باطل ، كما وعد الثوار . وترامت إليه وقائع الحرب الضروس بين عبد الله بن الزبير ، وعبد الملك بن مروان ، وكيف استبيحت الكعبة المشرفة حتى رميت بالمنجنيق ، وصار الحجاز كله مباءة للعبث ، والفساد، وهي الأرض التي جعلها الله مثابة للناس وأمنًا .

كل ذلك دفع الإمام مالك إلى التحرز في النصح بالخروج على الحكام، خصوصًا وأن نتائج الثورة لم تكن خيرًا ، ولم يصل الثائرون إلى إقامة العدل الخالص من الظلم ، حتى يقال إن الغاية تبرر الوسيلة ، أو إن الذريعة السيئة يصغر إثمها إزاء النتيجة الطيبة . فالطريقة إثم ، والنتيجة لا خير فيها . ويستنبط الفقيه الجليل الشيخ أبو زهرة من سيرة الإمام مالك أنه لزم الجماعة ولم ير الخروج على الطاعة . وليس معنى ذلك أنه كان يرى السكوت عن ظلم الحاكم ، ولكنه كان يرى أن إصلاح الحاكم بالموعظة الحسنة وقول الحق في إبانة ، أجدى من الخروج عليه، وأن صلاح الحاكم يتبع في أكثر الأحيان صلاح المحكومين ، وأن على العلماء أن يصلحوا الناس ويرشدوهم ، فإن صلحوا جاء صلاح الحاكمين تبعًا لصلاحهم ومهما يكن رأي مالك في الإصلاح فهو لم يناصر أحدًا عند الفتن لأن الفريقين في إثم ، فلا يعاون أحدهما على الآخر ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت