فهرس الكتاب
فكان بعضهم يفر إلى أطراف الدولة ـ شرقًا وغربًا ـ لتدبير المؤامرات وإعداد التنظيمات السرية وشراء العملاء والأعوان، مستخدمين في ذلك اسم البيت العلوي الذي يتمتع بحب المسلمين على اختلاف نزعاتهم ومذاهبهم، ولكن سرعان ما يكتشف الناس أنهم ثاروا لحساب مذاهب مشبوهة تتستر وراء أهل البيت. ولعل أشهر هذه الدعوات ما فعله الشيعة الباطنية الإسماعيلية، عندما نجحوا في إقامة دولة لهم في تونس، ثم انتقلت في عهد المعز لدين الله الفاطمي إلى مصر وحكمتها لمدة قرنين كاملين.
ويضيق المقام عن سرد الانتفاضات الثورية التي قام بها الفرس، لإنشاء دولة مذهبية تحمل فكرهم خارج إطار الخلافة الأموية الموحدة، فإذا عجزوا عن إقامة الدولة، دأبوا على التسلل إلى بلاط الخلفاء العباسيين واحتلال مراكز التأثير حتى يحكموا من وراء ستار الجالس على العرش، فيكون لهم القرار، وللخليفة البصم والتوقيع ، مثلما فعل بنو برمك مع الرشيد ، وبنو سهل مع المأمون ، فلما ضعف سلطان الدولة العباسية وانشطرت إلى دويلات قزمية كان للشيعة الفرس منها نصيب، فظهرت الدولة السامانية في بخارى وامتدت حدودها إلى الخليج الفارسي، ومن حدود الهند إلى مشارف بغداد، وقصدها الشعراء والأدباء وفي طليعتهم الشاعر الفارسي الشهير ( الفردوسي ) صاحب (الشاهنامة) تلك الملحمة الشعرية الكبرى التي يتغنى فيها بأمجاد ملوك الفرس الأقدمين وكان شأنها في إثارة النعرة القومية شأن ملمة هوميروس عند الإغريق .. ولا يزال الإيرانيون حتى اليوم يعتبرونها من مفاخرهم الأدبية لأنها تقص عليهم حكايات الأجداد .