فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 73

مفتوح لرياح الجهات الأربعة، قاطعهما الأستاذ، قائلًا: الحكي يريح الأعصاب صحيح، لكن ليس كل شيء نستطيع أن نحكيه؟!، شعرت بمرارة في حلقها تناولت كأس الماء دفعة واحدة، سأشرح لكما الموضوع، هناك أشياء نظنّ أننا نعلمها، وهي عصية على الفهم مجهولة بالنسبة لنا تابع: .. أنت وأنا نعرف شيئًا، وهم يعرفون كل شيء، أرجوكما لا أريد وجع رأس أتمنى أن تفهماني، مع السلامة، نهضتا تجرجران خيبتهما بالأستاذ سهيل يلفهما الحزن، بقايا من ضوء وشعاع من أمل ما زال سعيد يعايشهما في زنزانته الرطبة، ثلاث سنوات يقرأ ما كتب على جدران الغرفة ويعيد قراءتها كل مطلع شمس.. لا يرى جديدًا! أخرج قلّما حصل عليه من سجانه لقاء علبة تبغ، راح يكتب على الهامش الباقي من جدران السجن: ينبت الأمل مع إطلالة الفجر، توقف عن الكتابة تذكر ساجدة تنهد بألم شعر بضيق تحول إلى تساؤل مقيت لعدم زيارتها، كان يظن أنها لن تنقطع عن زيارته بصحبة رفيقتها هدى تلك الفتاة الرائعة في وفائها للجميع. كان يكرر الكلام يشغل نفسه عن الآخرين في السجن يداري وجعه، يخترع الأعذار تارة لزملائه بالعمل، وتارة لساجدة وهدى موحيًا لنفسه أن الحياة قاسية ولكل شخص ظروفه، يتمسك بالغد وهذا الغد طال انتظاره، وتارة يؤنب نفسه: مالي أنا وللمدينة وناسها ولماذا أواجه المدير وجماعته، معقول لم يكن المسؤولون عارفين ما يحدث بالمؤسسة! كان عليّ أن أبقى حيث دوت صرختي الأولى هناك في بيتنا الطيني أتفيأ بظلّ السنديانة، لا أحد يريد أن يعرف أو يرى، كل يغمض عينيه عما يجري، أوجعت الرطوبة مفاصله، وخرشت السعلة رئتيه، شحب لونه ونما شارباه، سنوات سرقت من عمره!! أشعة الشمس تحاول أن تبدد بقايا الضباب الذي يلفّ جدران السجن! كان الصباح باردًا، يلف السجن وصوت السجان استباح صمت المكان، قائمة أسماء الذين سيطلق سراحهم هذا اليوم ارتعش جسده، لفحته أشعة الشمس المتسللة من خلف غيمات تدفعها الريح باتجاه الغرب! لم يجد أحدًا بانتظاره، أحس أن شيئًا آخر بداخله يتهشم، اشترى علبة تبغ، أشعل لفافة نفخ الدخان في الهواء، داهمه شعور مفاجئ ماذا يبقيه في هذه المدينة؟ حاول أن يتحرر من هذه الفكرة، ظلّ مشدودًا إليها، سمع صوتًا يعرفه، هدى: تيار مسّ ذاكرته بدأ يشعره بالأسى على زمنه، تقدمت منه هنأته بالسلامة قرأ في عينيها ما كان يخشاه، هذه الحقيبة لك، أمانة من ساجدة تابعت: فرضوا علينا أن نقاطعك.. أنت لا تدري كم من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت