فقسم غالوا في إثباته وسلبوا العبد قدرته واختياره ، وقالوا: إن العبد ليس له قدرة ولا اختيار ، إنما هو مسير لا مخير ، ولا فرق بين فعل العبد الواقع باختياره ، وبين فعله الواقع بغير اختياره ، ولا شك أن هؤلاء ضالون ، لأنه مما يعلم بالضرورة من الدين والعقل والعادة أن الإنسان يفرق بين فعل الاختيار وبين فعل الإجبار.
قسم آخر غالوا في إثبات قدرة العبد واختياره ، حتى نفوا أن يكون لله تعالى مشيئة أو اختيار أو خلق فيما يفعله العبد ، وزعموا أن العبد مستقل بعمله ، حتى غلا طائفة منهم وقالوا: إن الله تعالى لا يعلم ما يفعله العباد إلا بعد أن يقع منهم وهؤلاء أيضًا غلوا وتطرفوا تطرفًا عظيمًا في إثبات قدرة العبد واختياره ، فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق .
وسلك القسم الثالث أهل السنة والجماعة في ذلك مسلكًا وسطًا قائمًا على الدليل الشرعي والدليل العقلي، وقالوا: إن الأفعال التي يحدثها الله تعالى في الكون تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول:
ما يجريه الله تبارك وتعالى من فعله في مخلوقاته لهذا لا اختيار لأحد فيه ، كإنزال المطر وإنبات الزرع وكالإحياء والإماتة والمرض والصحة وغير ذلك من الأمور الكثيرة التي تشاهد في مخلوقات الله ، فإن هذه بلا شك ليس لأحد فيها اختيار وليس لأحد فيها مشيئة ، وإنما المشيئة فيها لله الواحد القهار.
والقسم الثاني:
ما يفعله الناس بل ما تفعله الخلائق كلها من ذوات الإرادة فإن هذه - أعني هذه الأفعال - تكون باختيار فاعليها وإرادتهم بعلم من الله تعالى وإرادة ؛ لأن الله تبارك وتعالى جعل ذلك إليهم ، قال الله تعالى: [لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ] . [4]
وقال تعالى: [وَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ] . [5]
والإنسان يعرف الفرق بين ما يقع منه باختيار ، وبين ما يقع منه باضطرار وإجبار ، فالإنسان ينزل من السطح في السلم نزولًا اختياريًا يعرف أنه مختار ، ولكنه يسقط هاويًا من السطح ويعرف أنه ليس مختارًا لذلك ، ويعرف الفرق بين الفعلين ، وأن الثاني إجبار والأول اختيار ، وكل إنسان يعرف ذلك .
كذلك الإنسان يعرف أنه إذا أصيب بمرض سلس البول فكان البول يخرج منه بغير اختيار ، وإذا كان سليمًا من هذا المرض فإن البول يخرج منه باختياره ، ويعرف الفرق بين هذا وبين هذا ، ولا أحد ينكر الفرق بينهما .