الصفحة 3 من 11

وهكذا جميع ما يقع من العبد يعرف فيه الفرق بين ما يقع اختياريًا وبين ما يقع اضطرارًا وإجبارًا ، بل إن من رحمة الله عز وجل أن من الأفعال ما هو من جنس ما يقع باختيار العبد ولكنه يكتب بغير اختياره ، أي أنه لا يلحقه منه شيء كما في فعل الناسي والنائم ، يقول الله تعالى في قصة أصحاب الكهف: [وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ] [6] وهم الذين يتقلبون ولكن الله تعالى نسب الفعل إليه ؛ لأن النائم لا فعل له ولا اختيار له ، فنسب فعله إلى الله عز وجل ، ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم-:" [7] من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه ؛ فإنما أطعمه الله وسقاه"، فنسب هذا الإطعام وهذا الإسقاء إلى الله عز وجل ؛ لأن الفعل وقع منه بغير ذكر فكأنه صار بغير اختياره.

كلنا يعرف الفرق بين ما يجده الإنسان من ألم بغير اختياره ، وما يجده من خفة في نفسه أحيانًا بغير اختياره ، ولا يدري ما سببه ، وبين أن يكون الألم هذا ناشئًا من فعل هو الذي اكتسبه أو هذا الفرح ناشئًا من فعل هو الذي اكتسبه ، وهذا الأمر ولله الحمد أمر واضح لا غبار عليه.

إننا لو قلنا بقول الفريق الأول - الذين غالوا في إثبات القدر - لبطلت الشريعة من أصلها، لأنه في الحقيقة إذا قلنا:

إن فعل العبد ليس فيه اختيار صار لا يحمد على فعل محمود، ولا يلام على فعل مذموم؛ لأنه في الحقيقة بغير اختياره وبغير إرادة منه ، وعلى هذا فالنتيجة إذًا أن الله تبارك وتعالى يكون ظالمًا لمن عصاه إذا عاقبه وعذبه على معصيته ؛ لأنه عاقبه على أمر لا اختيار له فيه ولا إرادة ، وهذا بلا شك مخالف للقرآن صريحًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت