أي أن نؤمن بأن الله تعالى خالق كل شيء فما من موجود في السموات و الأرض إلا الله خلقه ، حتى الموت يخلقه الله تبارك وتعالى ، وإن كان هو عدم الحياة ، يقول تعالى: [الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ] [22] ، فكل شيء في السموات أو في الأرض فإن الله تعالى خالقه ، ولا خالق إلا الله ، وكلنا يعلم أن ما يقع من فعله تعالى فإنه مخلوق له ، فالسموات والأرض والجبال والأنهار والشمس والقمر والنجوم والرياح كلها نعرف أنها مخلوقة من مخلوقات الله ، وكذلك ما يحدث لهذه المخلوقات من صفات وتقلبات، أحوال كلها مخلوقة لله عز وجل ، ولكن قد يشكل على المرء كيف يصح أن نقول في فعلنا وقولنا الاختياري:
إنه مخلوق لله عز وجل ، نقول: نعم ، يصح أن نقول ذلك ؛ لأن فعلنا وقولنا ناتج عن أمرين، أحدهما: القدرة ، والثاني: الإرادة ، فإذا كان فعل العبد ناتجًا عن إرادته وقدرته فإن الذي خلق هذه الإرادة ، وجعل قلب الإنسان قابلًا لهذه الإرادة هو الله عز وجل ، وكذلك أيضًا الذي خلق فيه القدرة هو الله عز وجل ، ويخلق السبب التام الذي يتولد عنه المسبب ، نقول:
إن خالق السبب التام خالق للمسبب. أي أن خالق المؤثر خالق للأثر ، خالق السبب خالق للمسبب، وبهذا الطريق عرفنا كيف يمكن أن نقول:
إن الله تعالى خالق لفعل العبد ، وإلا فالعبد هو الفاعل في الحقيقة فهو المتطهر، وهو المصلي ، وهو الصائم ، وهو المزكي ، وهو الحاج ، وهو المعتمر ، وهو العاصي ، وهو المطيع ، ولكن هذه الأفعال كلها كانت وجدت بإرادة وقدرة مخلوقتين لله عز وجل ، وبهذا علم كيف يكون الإنسان، وكيف يكون فعل الإنسان مخلوقًا لله عز وجل.
والأمر - ولله الحمد - واضح ، ولولا أن التساؤلات كثرت، ولولا أن الأمر اشتبه على كثير من الناس لكنا نقول:
إن الخوض في هذا ، نوع من فضول القول ، ولكن نظرًا إلى أن الأهواء انتشرت وكثرت ، وصار الفاسق يريد أن يبرر فسقه بشيء يقدره في ذهنه ، ولو تدبر الأمر لوجد أنه على خلاف ما قدره في ذهنه ، لولا هذا ما تكلمنا في هذا الأمر.
إذن القدر والإيمان بالقدر يكون له مراتب أربع:
المرتبة الأولى: العلم .
والثانية: الكتابة .
والثالثة: المشيئة .
والرابعة: الخلق .
كل هذا يجب أن يثبت لله عز وجل ، وهذا لا ينافى أن يضاف الفعل إلى فاعله من ذوي الإرادة،