الصفحة 22 من 103

وأكثر من ذلك ما جاء في مثوبة مَن ارتبط فرسًا ليجاهد عليها في سبيل الله. ففي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"مَنِ احتبسَ فرسًا في سبيلِ اللهِ إيمانًا باللهِ، وتصديقًا بوعدِهِ، فإنَّ شَبعَهُ وريَّهُ، ورَوْثَهُ وبولَهُ في ميزانِهِ يومَ القيامةِ"يعني: حسنات!

وذلك أن الوسائل والآلات بحسب المقاصد والغايات، فكل ما يُعين على الجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمته، ونصرة دعوته، مِن عدة وآلة وتدريب وكسب خبرة ومهارة، فهو قُربة إلى الله، فبها الأجر والثواب.] [النية والإخلاص للقرضاوي]

فـ[البواعث التي تسوق المرء إلى العمل، وتدفعه إلى إجادته، وتغريه بتحمل التعب فيه أو بذل الكثير من أجله، كثيرة متباينة.

منها القريب الذي يكاد يُرَى مع العمل، ومنها الغامض الذي يختفي في أعماق النفس، وربما لا يدركه العامل المتأثر به؛ مع أنه سر اندفاعه في الحقيقة إلى فِعْل ما فَعَل، أو تَرْك ما تَرَك!

والغرائز البشرية المعروفة هي قواعد السلوك العام، ومن اليسير أن ترى في حركات رجل أمامك حبه لنفسه، أو طلبه للسلامة، أو حرصه على المال، أو ميله للفجور، أو تطلعه للظهور ..

والإسلام يرقب بعناية فائقة ما يقارن أعمال الناس من نيات، وما يلابسها من عواطف وانفعالات. وقيمة العمل عنده ترجع -قبل كل شيء- إلى طبيعة البواعث التي تمخضت عنه.

فقد يعطي الإنسان هبة جزيلة لأنه يريد بصنائع المعروف أنْ يستميل إليه القلوب، وقد يعطيها لأنه يريد أنْ يَجزي خيرًا مَن سبق فأسدى إليه خيرًا .. وكلا المسلكين كرم دفع إليه شعور المرء بنفسه سلبًا أو إيجابًا -كما يُعبِّر علماء النفس- ولكن الإسلام لا يعتد بالصدقة إلا إذا خلصت من شوائب النفس، وتمخضت لله وحده على ما وصف القرآن الكريم: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) [الإنسان: 9] ] [خلق المسلم]

[ (ويطعمون الطعام على حبه) أي حب الطعام؛ مع الاشتهاء والحاجة إليه. أو على حب الله؛ مسكينًا فقيرًا عاجزًا عن الاكتساب، ويتيمًا صغيرًا لا أب له، وأسيرًا مأسورًا مملوكًا أو غيره. ثم عللوا إطعامهم فقالوا: إنما نطعمكم لوجه الله؛ أي لطلب ثوابه. أو هو بيان من الله عز وجل عما في ضمائرهم؛ لأن الله تعالى علمه منهم فأثنى عليهم وإن لم يقولوا شيئًا.

(لا نريد منكم جزاء .. ) هدية على ذلك، (ولا شكورًا .. ) ثناء .. (إنا نخاف من ربنا .. ) إنا لا نريد منكم المكافأة لخوف عقاب الله على طلب المكافأة بالصدقة. أو إنا نخاف من ربنا فنتصدق لوجهه حتى نأمن من ذلك الخوف يومًا عبوسًا فمطريرًا.] [تفسير النسفي]

[ (إنما نطعمكم لوجه الله) على إرادة القول بلسان الحال أو المقال؛ إزاحة لتوهم المن، وتوقع المكافأة الْمُنقِصة للأجر. وعن عائشة - رضي الله عنها: أنها كانت تبعث بالصدقة إلى أهل بيت، ثم تسأل المبعوث: ما قالوا؟ فإن ذكر دعاء دعت لهم بمثله؛ ليبقى ثواب الصدقة لها خالصًا عند الله.

(لا نريد منكم جزاء ولا شكورا) أي شكرًا. (إنا نخاف من ربنا) فلذلك نحسن إليكم. أو لا نطلب المكافأة منكم. (يومًا) عذاب يوم. (عبوسًا) تعبس فيه الوجوه. أو يشبه الأسد العبوس في ضراوته. (قمطريرا) شديد العبوس، كالذي يجمع ما بين عينيه.] [تفسير البيضاوي]

فالعمل الخالص هو الذي لا باعث عليه إلا طلب القرب من الله تعالى.

قال الفضيل في قوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الملك: 2] قال: أخلصه وأصوبه. وقال: إن العمل إذا كان خالصًا، ولم يكن صوابًا لم يُقبَل، وإذا كان صوابًا، ولم يكن خالصًا لم يُقبَل؛ حتى يكون خالصًا وصوابًا. قال: والخالص إذا كان لله عز وجل، والصواب إذا كان على السُّنَّة.

يا ربِّ أنت العليمُ بظاهري وبباطني ... بالسِّرِّ .. بل أخفى وبالإعلانِ

أنتَ السميعُ لمَنطقي وحروفِهِ ... أنتَ الخبيرُ بموقفي ومكاني

إنْ لم أكنْ أهلًا لتوفيقٍ، فمُنّْ ... فلأنتَ أهلُ المَنِّ والإحسانِ

يا ربِّ أنتَ المُرتَجَى والمُبتَغَى ... وأنا الفقيرُ بِذِلَّتي وهَواني

يا نفسُ .. أخلِصي تتخلصي:

قال تعالى: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ. قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ. إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) [الحجر: 39 - 42]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت