فهرس الكتاب
[يقول تعالى ذِكره: قال إبليس: ربِّ بما أغويتَني بإغوائك لأُزَينَنَّ لهم في الأرض. وكأن قوله: (بما أغويتَني) خرج مخرج القسم، كما يقال: بالله، أو: بعزَّة الله لأغوينهم! وعنى بقوله: (لأُزينَنَّ لهمْ في الأرض) : لأحسننَّ لهم معاصيك، ولأحببنَّها إليهم في الأرض! (ولأُغْويَنَّهم أجمعين) يقول: ولأضلنَّهم عن سبيل الرشاد؛ (إلا عبادك منهم المخلَصِين) يقول: إلا مَن أخلصتَه بتوفيقك فهديته؛ فإنَّ ذلك ممن لا سلطان لي عليه، ولا طاقة لي به.] [تفسير الطبري]
فالله تعالى[يستخلص لنفسه مِن عباده مَن يُخلص نفسه لله، ويجردها له وحده، ويعبده كأنه يراه. وهؤلاء ليس للشيطان عليهم من سلطان.
هذا الشرط الذي قرره إبليس اللعين؛ قرره وهو يدرك أن لا سبيل إلى سواه، لأنه سُنة الله .. أن يستخلص لنفسه مَن يخلص له نفسه، وأن يحميه ويرعاه. ومن ثَمَّ كان الجواب: (هذا صراط علي مستقيم. إن عبادي ليس لك عليهم سلطان. إلا من اتبعك من الغاوين) ..
هذا صراط .. هذا ناموس .. هذه سُنَّة .. وهي السُّنة التي ارتضتها الإرادة قانونًا وحُكمًا في الهدى والضلال: إن عبادي المخلصين لي ليس لك عليهم سلطان، ولا لك فيهم تأثير، ولا تملك أن تزين لهم لأنك عنهم محصور، ولأنهم منك في حمى، ولأن مداخلك إلى نفوسهم مغلقة، وهم يعلقون أبصارهم بالله، ويدركون ناموسه بفطرتهم الواصلة إلى الله. إنما سلطانك على مَن اتبعك مِن الغاوين الضالين. فالشيطان لا يتلقف إلا الشاردين كما يتلقف الذئب الشاردة من القطيع. فأما مَن يخلصون أنفسهم لله، فالله لا
يتركهم للضياع. ورحمة الله أوسع ولو تخلفوا فإنهم يثوبون من قريب!] [الظلال]
وتتجلى هذه الحقيقة في كثير من القصص القرآني، والسيرة النبوية، وأخبار السلف ..
ولنتدبر قوله تعالى عن يوسف الصدِّيق - عليه السلام: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) [يوسف: 24]
فقد [صرف الله عنه السوء والفحشاء؛ لأنه من عباده المخلَصين له في عباداتهم، الذين أخلصهم الله واختارهم، واختصهم لنفسه، وأسدى عليهم من النعم، وصرف عنهم المكاره، ما كانوا به من خيار خلقه.] [تيسير الكريم الرحمن]
وذكر الألوسي في"روح المعاني": [إنه من عبادنا المخلَصين: تعليل لما سبق من مضمون الجملة بطريق التحقيق. والمخلَصون هم الذين أخلصهم الله تعالى، واختارهم لطاعته بأن عصمهم عما هو قادح فيها. والظاهر أن المراد الحكم عليه بأنه مختار لطاعته سبحانه. ويحتمل على ما قيل: أن يكون المراد أنه من ذرية إبراهيم - عليه السلام - الذين قال فيهم جل وعلا: (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ) [ص: 46] ]
و [قوله: (المخلَصين) "فيه قراءتان: قراءة باسم الفاعل. وأخرى باسم المفعول. فوروده باسم الفاعل يدل على كونه آتيًا بالطاعات والقربات مع صفة الإخلاص. ووروده باسم المفعول يدل على أن الله تعالى استخلصه لنفسه، واصطفاه لحضرته. وعلى كلا الوجهين: فإنه من أدل الألفاظ على كونه منزهًا عما أضافوه إليه."[تفسير الرازي]
ويؤيد ذلك قوله تعالى: (مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) [يوسف:23]
وأما إقرار إبليس بطهارة يوسف ونزاهته ففي قوله تعالى: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِين) [ص: 82 - 83] فأقر بأنه لا يمكنه إغواء المخلَصين، ولا شك أن يوسف من المخلَصين، كما صرح تعالى به في قوله: (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) فظهرت دلالة القرآن من جهات متعددة على براءته مما لا ينبغي.] [أضواء البيان]
فلا يتخلص العبد من الشيطان إلا بالإخلاص، ولذلك كان معروف الكرخي يضرب نفسه، ويقول: يا نفسُ! أخلصي؛ تتخلصي ..
ومن هنا نفهم ما [جاء عن عمر - رضي الله عنه - في رسالته الشهيرة في القضاء:"فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومَن تزين بما ليس فيه شانه الله".
قال ابن القيم في شرح هذه الكلمات في"الإعلام":"هذا شقيق كلام النبوة، وهو جدير بأنْ يخرج مِن مشكاة الْمُحَدَّث الْمُلْهَم، وهاتان الكلمتان مِن كنوز العلم، ومَن أحسن الإنفاق منهما نفع غيره، وانتفع غاية الانتفاع .. فأما الكلمة الأولى فهي منبع الخير وأصله، والثانية أصل الشر وفصله، فإنَّ العبد إذا خلصت نيته لله تعالى وكان قصده وهمه وعمله لوجهه سبحانه كان الله معه، فإنه سبحانه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، ورأس التقوى والإحسان خلوص النية لله في إقامة الحق، والله سبحانه لا غالب له، فمَن كان معه فمَن ذا الذي يغلبه أو يناله بسوء؟ فإن كان الله مع العبد فمَن يخاف؟ وإن لم يكن معه فمَن يرجو؟ وبمن يثق؟ ومَن ينصره مِن بعده؟"