فهرس الكتاب
فإذا قام العبد بالحق على غيره وعلى نفسه أولًا، وكان قيامه بالله ولله؛ لم يقم له شيء، ولو كادته السماوات والأرض والجبال لكفاه الله مؤنتها، وجعل له فرجًا ومخرجًا، وإنما يؤتى العبد مِن تفريطه وتقصيره في هذه الأمور الثلاثة، أو في اثنين منها، أو في واحد ..
فمَن كان قيامه في باطل لم يُنصَر، وإنْ نُصِر نصرًا عارضًا فلا عاقبة له، وهو مذموم مخذول.
وإنْ قام في حق لكن لم يقم فيه لله، وإنما قام لطلب المحمدة والشكور والجزاء مِن الخلق، أو التوصل إلى غرض دنيوي، كان هو المقصود أولًا، والقيام في الحق وسيلة إليه، فهذا لم تُضمن له النصرة، فإن الله إنما ضمن النصرة لمن جاهد في سبيله، وقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، لا لمن كان قيامه لنفسه ولهواه، فإنه ليس مِن المتقين ولا من المحسنين، وإنْ نُصر فبحسب ما معه من الحق، فإن الله لا ينصر إلا الحق. وإذا كانت الدولة لأهل الباطل فبحسب ما معهم من الصبر، والصبر منصور أبدًا، فإنْ كان صاحبه محقًّا كان منصورًا له العاقبة، وإنْ كان مبطلًا لم يكن له عاقبة.
وإذا قام العبد في الحق لله ولكن قام بنفسه وقوته، ولم يقم بالله مستعينًا به متوكلًا عليه، مفوضًا إليه، بريئًا من الحول والقوة إلا به، فله مِن الخذلان وضعف النصرة بحسب ما قام به مِن ذلك.
ونكتة المسألة أن تجريد التوحيد في أمر الله لا يقوم له شيء البتة، وصاحبه مُؤيَّد منصور، ولو توالت عليه زمر الأعداء.] [النية والإخلاص للقرضاوي]
إليه وإلا لا تُشَد الركائب:
قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [الروم: 30]
[يأمر تعالى بالإخلاص له في جميع الأحوال، وإقامة دينه فقال: (فأقم وجهك .. ) أي: انصبه ووَجِّهه للدين؛ الذي هو الإسلام والإيمان والإحسان، بأن تتوجه بقلبك، وقصدك، وبدنك إلى إقامة شرائع الدين الظاهرة، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج ونحوها. وشرائعه الباطنة، كالمحبة، والخوف، والرجاء، والإنابة. والإحسان في الشرائع الظاهرة والباطنة، بأن تعبد الله فيها كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وخص الله إقامة الوجه؛ لأن إقبال الوجه تبع لإقبال القلب، ويترتب على الأمرين سعي البدن، ولهذا قال: (حنيفًا .. ) أي: مقبلا على الله في ذلك، معرضًا عما سواه. وهذا الأمر الذي أمرناك به هو (فطرة الله التي فطر الناس عليها .. ) ووضع في عقولهم حُسنها، واستقباح غيرها.
إن جميع أحكام الشرع الظاهرة والباطنة، قد وضع الله في قلوب الخلق كلهم الميل إليها. فوضع في قلوبهم محبة الحق، وإيثار الحق، وهذا حقيقة الفطرة. ومَن خرج عن هذا الأصل، فلِعارِض عرض لفطرته أفسدها، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"كلُّ مولودٍ يولَدُ على"
الفطرةِ، فأبواهُ يُهوِّدانِهِ أو يُنصِّرانِهِ أو يُمجِّسانِهِ"."
(لا تبديل لخلق الله .. ) أي: لا أحد يبدل خلق الله، فيجعل المخلوق على غير الوضع الذي وضعه الله.
(ذلك) الذي أمرناك به (الدين القيم) أي: الطريق المستقيم الموصِّل إلى الله، وإلى دار كرامته؛ فإنّ مَن أقام وجهه للدين حنيفًا فإنه سالك الصراط المستقيم في جميع شرائعه وطُرُقه.
(ولكن أكثر الناس لا يعلمون) فلا يتعرفون الدين القيم، وإن عرفوه لم يسلكوه] [تيسير الكريم الرحمن]
[والخطاب بـ (أقم وجهك) للنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ أمره بإقامة وجهه للدين المستقيم، كما قال: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّم) [الروم: 43] وهو دين الإسلام. وإقامة الوجه هو تقويم المقصد، والقوة على الجد في أعمال الدين. وخص الوجه بالذكر لأنه جامع حواس الإنسان وأشرفه. ودخل في هذا الخطاب أمته باتفاق من أهل التأويل. و (حنيفًا .. ) معناه معتدلًا مائلًا عن جميع الأديان المحرفة المنسوخة.
وقوله: (فأقم وجهك للدين القيم) قال الزجاج: أي أقم قصدك، واجعل جهتك اتباع الدين القيم، يعني الإسلام.] [الجامع لأحكام القرآن]
وفي حديث جبريل - عليه السلام - لما جاء يعلِّم الصحابة؛ سأل رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن الإسلام، والإيمان، والإحسان؛ قال:"فأخبِرْني عن الإحسان .."قال:"أنْ تعبدَ اللهَ كأنكَ تراهُ، فإنْ لم تكنْ تراهُ فإنهُ يراكَ .." [متفق عليه]
وقد فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - (الإسلام) بالأقوال والأعمال الظاهرة، وفسر (الإيمان) بالأقوال والأعمال الباطنة، والإحسان هو تحسين الظاهر والباطن، ومجموع ذلك هو الدين.