الصفحة 25 من 103

والإحسان لغة: إجادة العمل وإتقانه وإخلاصه. وفي الشريعة هو ما فسره النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله:"أنْ تعبدَ اللهَ كأنكَ تراهُ، فإنْ لم تكنْ تراهُ فإنهُ يراكَ .."،[وهو أنْ يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة، كأنه يراه بقلبه، وينظر إليه في حال عبادته. وذلك يوجب الخشية والخوف والهيبة والتعظيم. ويوجب أيضًا النصح في العبادة، وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها.

خطب عروة بن الزبير إلى ابن عمر ابنته وهما في الطواف؛ فلم يجبه. ثم لقيه بعد ذلك فاعتذر إليه، وقال: كنا في الطواف نتخايل الله بين أعيننا. [أخرجه أبو نعيم وغيره]

قوله - صلى الله عليه وسلم:"فإن لم تكن تراه فإنه يراك .."قيل: إنه تعليل للأول؛ فإنَّ العبد إذا أُمر بمراقبة الله تعالى في العبادة، واستحضار قربه من عبده حتى كأن العبد يراه؛ فإنه قد يشق ذلك عليه، فيستعين على ذلك بإيمانه بأن الله يراه، ويطلع على سره وعلانيته، وباطنه وظاهره، ولا يخفى عليه شيء من أمره .. فإذا تحقق هذا المقام سهل عليه الانتقال إلى المقام الثاني؛ وهو دوام التحقيق بالبصيرة إلى قرب الله من عبده، ومعيته حتى كأنه يراه.

وقيل: بل هو إشارة إلى أنَّ مَن شق عليه أنْ يعبد الله تعالى كأنه يراه؛ فليعبد الله على أنَّ الله يراه، ويطلِّع عليه؛ فليستحي مِن نظره إليه، كما قال بعض العارفين: اتقِ الله أن يكون أهون الناظرين إليك. وقال بعضهم: خَفِ الله على قدر قدرته عليك، واستحي مِن الله على قدر قربه منك. وقال بعض العارفين من السلف: مَن عمل لله على المشاهدة؛ فهو عارف .. ومَن عمل على مشاهدة الله إياه؛ فهو مخلص ..

وفيه إشارة إلى المقامين اللذين تقدم ذكرهما؛ أحدهما: مقام الإخلاص؛ وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه، واطلاعه وقربه منه. فإذا استحضر العبد هذا في عمله، وعمل عليه فهو مخلص لله تعالى؛ لأن استحضاره ذلك في عمله يمنعه من الالتفات إلى غير الله، وإرادته بالعمل.

والثاني: مقام المشاهدة؛ وهو أن يعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله تعالى بقلبه، وهو أن يتنور القلب بالإيمان، وتنفذ البصيرة في العرفان؛ حتى يصبر الغيب كالعيان. وهذا هو حقيقة مقام الإحسان المشار إليه في حديث جبريل - عليه السلام -] [جامع العلوم والحكم (بتصرف) ]

[وكم من أعمال يتعب الإنسان فيها، ويظن أنها خالصة لوجه الله، ويكون فيها مغرورًا؛ لأنه لا يرى وجه الآفة فيها! كما حُكي عن بعضهم أنه قال: قضيتُ صلاة ثلاثين سنة كنت صليتُها في المسجد في الصف الأول؛ لأنى تأخرتُ يومًا لعذر فصليت في الصف الثانى؛ فاعترتني خجلة من الناس حيث رأونى في الصف الثانى! فعرفتُ أنَّ نظر الناس إليَّ في الصف الأول كان مَسرتي، وسبب استراحة قلبي مِن حيث لا أشعر.

وهذا دقيق غامض قلما تسلم الأعمال مِن أمثاله، وقَلَّ مَن يتنبه له إلا مَن وفقه الله تعالى.] [الإحياء]

قال ابن عطاء الله السكندري: لولا جميل ستره لم يكن عمل أهلًا للقبول.

أي: لولا ستره تعالى الجميل لم يكن عمل مِن الأعمال أهلًا للقبول؛ لفقد شرطه مِن الإخلاص. فإنّ العبد مُبتلى بنظره إلى نفسه، وفرحه بعمله مِن حيث نسبته إليه، وشهوده حوله وقوته عليه! وهذا مِن الشرك الخفي القادح في الإخلاص. فينبغي للعبد أنْ يعتمد على فضل الله وكرمه؛ لا على اجتهاده وعمله.

قال ابن القيم:[فالصلاة المقبولة والعمل المقبول أن يصلي العبد صلاة تليق بربه عز وجل، فإذا كانت صلاة تصلح لربه تبارك وتعالى وتليق به كانت مقبولة، والمقبول من العمل قسمان: أحدهما: أن يصلي العبد ويعمل سائر الطاعات؛ وقلبه متعلق بالله عز وجل، ذاكر لله عز وجل على الدوام .. فأعمال هذا العبد تُعرَض على الله عز وجل حتى تقف قبالته؛ فينظر الله عز وجل إليها، فإذا نظر إليها رآها خالصة لوجهه مرضية، قد صدرت عن قلب سليم مخلص، محب لله عز جل، ومتقرب إليه أحبها ورضيها وقبلها ..

والقسم الثاني: أن يعمل العبد الأعمال على العادة والغفلة، وينوي بها الطاعة والتقرب إلى الله، فأركانه مشغولة بالطاعة، وقلبه لاهٍ عن ذكر الله، وكذلك سائر أعماله، فإذا رُفعت أعمال هذا إلى الله عز وجل لم تقف تجاهه، ولا يقع نظره عليها، ولكن توضع حيث توضع دواوين الأعمال حتى تُعرَض عليه يوم القيامة فتُميَّز، فيثيبه على ما كان له منها، ويرد عليه ما لم يُرِد وجهه به منها، فهذا قبوله لهذا العمل: إثابته عليه بمخلوق من مخلوقاته مِن القصور، والأكل والشرب، والحور العين .. وإثابة الأول رضا العمل لنفسه، ورضاه عن معاملة عامله، وتقريبه منه، وإعلاء درجته ومنزلته؛ فهذا يعطيه بغير حساب .. فهذا لون، والأول لون.] [الوابل الصيب]

إليهِ؛ وإلاَّ .. لا تُشَدُّ الركائبُ ... ومنهُ؛ وإلا .. فالمُؤمِّلُ خائبُ

وفيهِ؛ وإلا .. فالرجاءُ مُضَيَّعٌ ... وعنهُ؛ وإلا .. فالمُحَدِّثُ كاذبُ

من بديع أقوالهم في الإخلاص:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت