فهرس الكتاب
فنزل بهم، فنحر لهم صاحب المنزل جَزورًا، وأتاهم به؛ فقال: دونكم .. فلما كان من الغد نحر لهم آخر، ثم حبستهم السماء اليوم الثالث؛ فنحر لهم مثله. فلما أراد"قيس"أن يرتحل وضع عشرين ثوبًا من ثياب مصر، وأربعة آلاف درهم عند امرأة الرجل، وخرج قيس .. فما سار إلا قليلًا؛ حتى أتاه صاحب البيت على فرس كريم، ورمح طويل، وقدامه الثياب والدراهم؛ فقال: يا هؤلاء! خذوا بضاعتكم عني .. قال قيس: انصرف أيها الرجل؛ فإنا لم نكن لنأخذها! فقال الرجل: لتأخذُنَّها، أو لا ينفذ منكم رجل، أو تذهب نفسي! فعجب قيس منه، وقال: لِمَ .. لله أبوك؟! ألم تكرمنا، وتحسن إلينا؟ فكافأناك .. ما في هذا من بأس! فقال الرجل: إنا لا نأخذ لقِرَى ابن السبيل وقِرَى الضيف ثمنًا .. لا والله؛ لا أفعل أبدًا .. قال لهم قيس: أما إذ أبَى فخذوها منه. فأخذوها، ثم قال قيس: ما فضلني رجل غير هذا. [روضة العقلاء]
• عن هلال بن إساف أنه ذهب مع أخ له لعيادة الربيع بن خثيم في مرض له .. يقول هلال: دخل علينا ابن الشيخ فقال: يا أبتِ إنّ أمي قد صنعتْ لك خبيصًا (2) وجَوَّدَتْه، وإنه ليجبر قلبها أنْ تأكل منه، فهل آتيك به؟ فقال: هاته. فلما خرج ليحضره طرق الباب سائل، فقال: أدخلوه. فلما صار في صحن الدار نظرتُ إليه؛ فإذا هو رجل كهل ممَزَّق الثياب؛ قد سال لعابه على ذقنه، وبَدَا مِن ملامح وجهه أنه معتوه. فما كدتُ أرفع بصري عنه حتى أقبل ابن الشيخ بصحفة الخبيص؛ فأشار إليه أبوه أنْ ضعها بين يدي السائل. فوضعها، فأقبل عليها الرجل، وجعل يلتهم ما فيها التهامًا، فما زال يأكل حتى أتى على ما في الصحفة (3) كله.
فقال له ابنه: رحمك الله يا أبتِ .. لقد تكلفتْ أمي وصنعتْ لك هذا الخبيص، وكنا
نشتهي أنْ نأكل منه؛ فأطعمتَه لهذا الرجل الذي لا يدري ماذا أكل. فقال: يا بُني .. ! إذا كان هو لا يدري فإنَّ الله يدري .. ثم تلا قول الله عز وجل: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) [آل عمران: 92]
• كان أبو وائل يطوف على نساء الحي وعجائزهن كل يوم؛ فيشتري لهن حوائجهن وما يُصلحهن.
• كان على مسروق دَيْن ثقيل، وكان على أخيه خيثمة دَيْن أيضا؛ فذهب"مسروق"وقضى دين"خيثمة"وهو لا يعلم! وذهب"خيثمة"وقضى دين"مسروق"وهو لا يعلم!
• وذُكِر عن ابن المبارك أنه خرج مِن"خراسان"يريد الحج، وكان يسكن في"مَرْو"، فلما وصل بالقافلة إلى الكوفة؛ إذا بامرأة خرجت من الكوفة، وأخذت غرابًا ميتًا من مزبلة! فقال لمولاه: اذهب إلى هذه المرأة، واسألها: لماذا أخَذَت الغراب الميت؟ فذهب إلى المرأة وسألها، فقالت: والله ما في بيتنا طعام، ووالله ما نأكل منذ ثلاثة أيام إلا ما يُلقى في هذه المزبلة من المَيْتَة! فعاد إلى ابن المبارك فأخبره، فدمعت عينا ابن المبارك، وقال: نحن نأكل اللحم والفالوذج، وهم يأكلون الغربان الميتة؟! اصرفوا هذه القافلة بحبوبها وزبيبها ولحمها، وثيابها وجِمالها في أهل الكوفة، وعودوا .. لا حج لنا هذه السنة.
أروا الله من أنفسكم خيرا
إن[من رحمة الله تعالى بعباده أن جعل أبواب الحسنات متعددة وكثيرة جدًّا، بحيث لا يعجز أي إنسان عن الاستكثار منها، القوي والضعيف، والغني والفقير، والصغير والكبير، والعالم والجاهل .. كلٌّ مِن هؤلاء له طرق لا تُحصى للحصول على الثواب.
والعمل الذي يتعدى نفعه إلى الغير أفضل من العمل القاصر الذي يقتصر نفعه على فاعله وحده. وفي ذلك يقول الله تعالى: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) [النساء: 114] فيمكن للإنسان أن يحصل على ثواب العمل مرتين، أو يحصل على ثواب بلا عمل بدني ولا مالي. وذلك كما يقول الحارث بن أسد المحاسبي: بأن ينوي الإنسان قبل خروجه من بيته: ألا يجد ضعيفًا إلا أعانه، ولا أعمى إلا أرشده إلى الطريق، ولا مريضًا يعرفه من المسلمين إلا عاده، ولا جنازة إلا شيعها، ولا منكرًا إلا نهى عنه، ولا ملهوفًا إلا أغاثه، إلى آخر ما يمكن عمله من أعمال البر، ينوي قبل خروجه أن يصنعه إن استطاع. فإن وجده فصنعه فله أجران: النية، وأجر العمل. وإن لم يجد، أو وجده ولم يستطع أن يصنعه، كأن يعجز ماليًّا أو صحيًّا عن العمل، فله أجر النية.