فهرس الكتاب
والأعمال العادية التي لا غنى للإنسان عنها، كالطعام والشراب، واللباس، والجماع. يمكن تحويلها إلى أعمال ذات ثواب جزيل، ويمكن تحويلها إلى أعمال ذات إثم شنيع، ويمكن أن تكون أعمالا مهدرة ليس لها ثواب ولا عليها عقاب. فالطعام والشراب إذا اقترن بنية القوة على العبادة، والسعي في المعاش، وفي مصلحة الأسرة. واللباس إذا اقترن بنية شرح الصدر والتحدث بنعمة الله. والجماع بنية العفة والإعفاف وهكذا بقية الأعمال، كالجلوس مع الإخوان بنية التعاون على البر والتقوى، كانت أعمالا ذات ثواب عظيم.
أما الطعام بنية القوة على البطش والتجبر، واللباس بنية التكبر، والجماع لإذلال الزوجة، والجلوس مع الإخوان للهذر، فكلها أعمال سوء ذات إثم عظيم. فإن لم تقترن تلك الأعمال بنية مطلقًا فهي هدر، لا لها ولا عليها.
وإفشاء السلام مشروع لتأصيل الحب بين المسلمين، ولطلب الثواب عليه من الله، وقد يدخل الشيطان على المسلم بخدعة ليبطل ثواب إفشاء السلام، فيلقى في روع الإنسان: إنك لو لم تسلم على فلان لغضب منك، فيسلم عليه لئلا يغضب منه، وحينئذ يفقد المسلم نية طلب الثواب، ولا ثواب له على إفشاء السلام، فالأصل هو: طلب ثواب الله على السلام.] [مكفرات الذنوب وموجبات الجنة]
يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: يقول الله عز وجل:"أنا عندَ ظَنِّ عبدي بِي، وأنا معَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي إنْ ذَكرَني في نَفْسِهِ ذَكَرتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكرَني في ملَأٍٍ ذَكَرتُهُ في ملَأٍ هُم خَيْرٌ منهم، وإنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إليهِ ذراعًا، وإنْ تَقَرَّبَ إليَّ ذراعًا تَقَرَّبتُ منهُ بَاعًا، وإنْ أتَاني يَمشِي أتَيتُهُ هَرْوَلَةً" [رواه البخاري ومسلم]
قال الإمام النووي:[قوله عز وجل: (أنا عند ظن عبدي بي) قال القاضي: قيل: معناه بالغفران له إذا استغفر، والقبول إذا تاب، والإجابة إذا دعا، والكفاية إذا طلب الكفاية. وقيل: المراد به الرجاء وتأميل العفو، وهذا أصح.
قوله تعالى: (وأنا معه حين يذكرني) أي معه بالرحمة والتوفيق والهداية والرعاية. وأما قوله تعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم) [الحديد: 4] فمعناه بالعلم والإحاطة.
هذا الحديث من أحاديث الصفات، ويستحيل إرادة ظاهره، ومعناه: من تقرب إليّ بطاعتي تقربتُ إليه برحمتي والتوفيق والإعانة، وإنْ زاد زِدتُ، فإنْ أتاني يمشي وأسرع في طاعتي أتيتُه هرولة، أي صببتُ عليه الرحمة وسبقتُه بها، ولم أحوجه إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود، والمراد أن جزاءه يكون تضعيفه على حسب تقربه.] [شرح النووي على صحيح مسلم (ملخصًا) ]
وقال ابن حجر: [قال ابن أبي جمرة: المراد بالظن هنا العلم، وهو كقوله: (وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْه) [التوبة: 118]
وقال القرطبي في"المفهم": قيل: معنى (ظن عبدي بي) ظن الإجابة عند الدعاء، وظن القبول عند التوبة، وظن المغفرة عند الاستغفار، وظن المجازاة عند فعل العبادة بشروطها تمسكًا بصادق وعده، وقال: ويؤيده قوله في الحديث الآخر:"ادعوا اللهَ وأنتم موقنون بالإجابة". قال: ولذلك ينبغي للمرء أن يجتهد في القيام بما عليه موقنا بأن الله يقبله ويغفر له؛ لأنه وعد بذلك وهو لا يخلف الميعاد. فإن اعتقد أو ظن أن الله لا يقبلها وأنها لا تنفعه فهذا هو اليأس من رحمة الله وهو من الكبائر، ومَن مات على ذلك وُكل إلى ما ظن، كما في بعض طرق الحديث المذكور:"فليظن بي عبدي ما شاء". قال: وأما ظن المغفرة مع الإصرار فذلك محض الجهل والغِرة.
قوله: (وأنا معه إذا ذكرني) أي بعلمي، وهو كقوله: (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) [طه: 46] والمعية المذكورة أخص من المعية التي في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) [المجادلة: 7]
وقال ابن أبي جمرة: معناه فأنا معه حسب ما قصد من ذكره لي. قال: ثم يحتمل أن يكون الذكر باللسان فقط، أو بالقلب فقط، أو بهما، أو بامتثال الأمر واجتناب النهي.
قوله: (فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي) أي: إن ذكرني بالتنزيه والتقديس سرًّا ذكرته بالثواب والرحمة سرًّا. وقال ابن أبي جمرة: يحتمل أن يكون مثل قوله تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُم) [البقرة: 152] ، ومعناه: اذكروني بالتعظيم أذكركم بالإنعام.
وقال تعالى: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) [العنكبوت: 45] أي: أكبر العبادات، فمَن ذكره وهو خائف آمنه، أو مستوحش آنسه، قال تعالى: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد: 28]