فهرس الكتاب
قوله: (وإن ذكرني في ملأ) أي جماعة (ذكرته في ملأ خير منهم) : قال بعض أهل العلم: يستفاد منه أن الذكر الخفي أفضل من الذكر الجهري. والتقدير: إنْ ذكرني في نفسه ذكرته بثواب لا أُطلع عليه أحدًا، وإنْ ذكرني جهرًا ذكرته بثواب أُطلع عليه الملأ الأعلى.
قال القاضي كمال الدين بن الزملكاني: إن الله قابل ذكر العبد في نفسه بذكره له في نفسه، وقابل ذكر العبد في الملأ بذكره له في الملأ، فإنما صار الذكر في الملإ الثاني خيرًا من الذكر في الأول؛ لأن الله وهو الذاكر فيهم، والملأ الذين يذكرون والله فيهم أفضل من الملأ الذين يذكرون وليس الله فيهم.] [فتح الباري (ملخصًا) ]
ولا يزال الصادق الموفق مجتهدًا في طاعة الله عز وجل؛ فيصير من أولياء الله الذين جاءتهم البشرى في الحديث الشريف عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:".. وما تَقَرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أحَبَّ إليَّ مما افترضتُه عليهِ، ولا يَزالُ عبدي يَتَقرَّبُ إليَّ بالنَّوافلِ حتى أُحبَّهُ، فإذا أحببتُهُ كنتُ سمعَهُ الذي يسمعُ بهِ، وبصرَهُ الذي يُبصِرُ بهِ، ويدَهُ التي يَبطشُ بها، ورِجْلَهُ التي يمشي بها، ولَئِنْ سألني لأُعطِيَنَّهُ، ولَئِنِ استَعاذَني لأُعيذَنَّهُ .." [رواه البخاري]
وقال ابن حجر في"فتح الباري":[قوله: (يتقرب إلي) : التقرب طلب القرب، قال أبو القاسم القشيري: قرب العبد من ربه يقع أولا بإيمانه، ثم بإحسانه. وقرب الرب من عبده ما يخصه به في الدنيا من عرفانه، وفي الآخرة من رضوانه، وفيما بين ذلك من وجوه لطفه وامتنانه. ولا يتم قرب العبد من الحق إلا ببعده من الخلق. قال: وقرب الرب بالعلم والقدرة عام للناس، وباللطف والنصرة خاص بالخواص، وبالتأنيس خاص بالأولياء.
قوله: (بالنوافل حتى أحبه) : ظاهره أن محبة الله تعالى للعبد تقع بملازمة العبد التقرب بالنوافل، وقد استشكل بما تقدم أولا أن الفرائض أحب العبادات المتقرب بها إلى الله فكيف لا تنتج المحبة؟ والجواب أن المراد من النوافل ما كانت حاوية للفرائض مشتملة عليها ومكملة لها، ويؤيده أن في رواية أبي أمامة:"ابن آدم! إنك لن تدرك ما عندي إلا بأداء ما افترضت عليك". وقال الفاكهاني: معنى الحديث أنه إذا أدى الفرائض ودام على
إتيان النوافل من صلاة وصيام وغيرهما أفضى به ذلك إلى محبة الله تعالى.
وقال ابن هبيرة: يؤخذ من قوله: (ما تقرب .. ) أن النافلة لا تُقدَّم على الفريضة؛ لأن النافلة إنما سميت نافلة لأنها تأتي زائدة على الفريضة، فما لم تؤد الفريضة لا تحصل النافلة، ومَن أدى الفرض ثم زاد عليه النفل وأدام ذلك تحققت منه إرادة التقرب.
وأيضًا فقد جرت العادة أن التقرب يكون غالبًا بغير ما وجب على المتقرب كالهدية والتحفة بخلاف مَن يؤدي ما عليه من خراج أو يقضي ما عليه من دين.
وأيضًا فإن من جملة ما شُرعت له النوافل جبر الفرائض كما صح في الحديث الذي أخرجه مسلم:"انظروا هل لعبدي من تطوع فتكمل به فريضته .."الحديث بمعناه فتبين أن المراد من التقرب بالنوافل أن تقع ممن أدى الفرائض لا مَن أخل بها، كما قال بعض الأكابر: مَن شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور.] أ. هـ (ملخصًا)
و[أداء الفرائض أفضل الأعمال كما قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه: أفضل الأعمال أداء ما افترض الله، والوَرَعُ عما حرَّم الله، وصِدقُ النيّة فيما عند الله عز وجل. وذلك لأنَّ الله عز وجل إنَّما افترض على عباده هذه الفرائض لِيُقربهم منه، ويُوجِب لهم رضوانه ورحمته.
والتقرب إلى الله بعدَ الفرائض بالاجتهاد في نوافل الطاعات، والانكفافِ عن دقائق المكروهات بالوَرعِ، وذلك يُوجبُ للعبد محبة الله، كما قال:"ولا يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافِلِ حتّى أُحبَّه"، فمن أحبه الله، رزقه محبَّته وطاعته والاشتغالَ بذكره وخدمته، فأوجبَ له ذلك القرب منه، والزُّلفى لديه، والحظْوة عنده.
قال فرقد السبخي: قرأت في بعض الكتب: مَن أحب الله لم يكن عنده شيء آثر من هواه، ومَن أحب الدنيا لم يكن عنده شيء آثر من هوى نفسه، والمحب لله تعالى أمير مؤمر على الأمراء زمرته أول الزمر يوم القيامة، ومجلسه أقرب المجالس فيما هنالك، والمحبة منتهى القربة والاجتهاد، ولن يسأم المحبون من طول اجتهادهم لله عز وجل يحبونه ويحبون ذكره، ويحببونه إلى خلقه؛ يمشون بين عباده بالنصائح، ويخافون عليهم من أعمالهم يوم تبدو الفضائح، أولئك أولياء الله وأحباؤه، وأهل صفوته، أولئك الذين لا راحة لهم دون لقائه.
وقال بعضهم: المحب لله طائر القلب، كثير الذكر، متسبب إلى رضوانه بكل سبيل يقدر عليها من الوسائل والنوافل دأبًا وشوقًا. وأنشد بعضهم:
ما للمُحِبِّ سوى إرادةِ حُبِّهِ ... إنَّ المُحِبَّ بكلِّ بِرٍّ يَضْرَعُ] [1]
(1) جامع العلوم والحكم: الحديث الثامن والثلاثين.