الصفحة 76 من 103

قال ابن حجر:[قوله: (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به) : قد استشكل كيف يكون الباري جل وعلا سمع العبد وبصره؟ والجواب من أوجه: أحدها: أنه ورد على سبيل التمثيل، والمعنى كنت سمعه وبصره في إيثاره أمري فهو يحب طاعتي ويؤثر خدمتي كما يحب هذه الجوارح.

ثانيها: أن المعنى: كليته مشغولة بي فلا يصغي بسمعه إلا إلى ما يرضيني، ولا يرى ببصره إلا ما أمرته به.

ثالثها: المعنى: أحصل له مقاصده كأنه ينالها بسمعه وبصره.

رابعها: كنت له في النصرة كسمعه وبصره ويده ورجله في المعاونة على عدوه.

خامسها: قال الفاكهاني وسبقه إلى معناه ابن هبيرة: هو فيما يظهر لي أنه على حذف مضاف، والتقدير: كنت حافظ سمعه الذي يسمع به فلا يسمع إلا ما يحل استماعه، وحافظ بصره كذلك.

سادسها: قال الفاكهاني: يحتمل معنى آخر أدق من الذي قبله؛ وهو أن يكون معنى سمعه مسموعه، لأن المصدر قد جاء بمعنى المفعول، مثل: فلان أملي بمعنى مأمولي، والمعنى أنه لا يسمع إلا ذِكرِي، ولا يلتذ إلا بتلاوة كتابي، ولا يأنس إلا بمناجاتي، ولا ينظر إلا في عجائب ملكوتي، ولا يمد يده إلا فيما فيه رضاي ورجله كذلك.

وقال الطوفي: اتفق العلماء ممن يعتد بقوله أن هذا مجاز وكناية عن نصرة العبد وتأييده وإعانته، حتى كأنه سبحانه ينزل نفسه من عبده منزلة الآلات التي يستعين بها. وقال الخطابي: هذه أمثال والمعنى توفيق الله لعبده في الأعمال التي يباشرها بهذه الأعضاء، وتيسير المحبة له فيها بأن يحفظ جوارحه عليه ويعصمه عن مواقعة ما يكره الله من الإصغاء إلى اللهو بسمعه، ومن النظر إلى ما نهى الله عنه ببصره، ومن البطش فيما لا يحل له بيده، ومن السعي إلى الباطل برجله. وإلى هذا نحا الداودي، ومثله الكلاباذي، وعبر بقوله: أحفظه فلا يتصرف إلا في محابي، لأنه إذا أحبه كره له أن يتصرف فيما يكرهه منه.

سابعها: قال الخطابي أيضًا: وقد يكون عبر بذلك عن سرعة إجابة الدعاء والنجح في الطلب، وذلك أن مساعي الإنسان كلها إنما تكون بهذه الجوارح المذكورة.] [فتح الباري (ملخصًا) ]

وقال الحافظ ابن رجب: [المراد بهذا الكلام: أن مَن اجتهد بالتقرب إلى الله بالفرائض، ثم بالنوافل قربه إليه، ورقاه من درجة الإيمان إلى درجة الإحسان، فيصير يعبد الله على الحضور والمراقبة كأنه يراه؛ فيمتلئ قلبه بمعرفة الله تعالى ومحبته وعظمته، وخوفه ومهابته وإجلاله، والأنس به والشوق إليه؛ حتى يصير هذا الذي في قلبه من المعرفة مشاهدًا له بعين البصيرة.] [جامع العلوم والحكم]

و [قوله: (وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه) : قال الطوفي: هذا الحديث أصل في السلوك إلى الله والوصول إلى معرفته ومحبته وطريقه، إذ المفترضات الباطنة وهي الإيمان، والظاهرة وهي الإسلام، والمركب منهما وهو الإحسان فيهما كما تضمنه حديث جبريل، والإحسان يتضمن مقامات السالكين من الزهد والإخلاص والمراقبة وغيرها. وفي الحديث أيضًا أن مَن أتى بما وجب عليه وتقرب بالنوافل لم يُرَد دعاؤه لوجود هذا الوعد الصادق المؤكد بالقسم، وفيه أن العبد ولو بلغ أعلى الدرجات حتى يكون محبوبًا لله لا ينقطع عن الطلب من الله لما فيه من الخضوع له وإظهار العبودية.] [فتح الباري (ملخصًا) ]

[ (ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) يعني أن هذا المحبوب المقرب، له عند الله منزلة خاصة تقتضي أنه إذا سأل الله شيئًا أعطاه إياه، وإن استعاذ به من شيء أعاذه منه، وإنْ دعاه أجابه؛ فيصير مجاب الدعوة لكرامته على ربه عز وجل، وقد كان كثير من

السلف الصالح معروفًا بإجابة الدعوة.

عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"كم مِن أشعثَ أغبرَ ذي طِمْرَين [1] لا يُؤبَهُ لهُ، لو أقسمَ على اللهِ لأبرَّهُ؛ منهم البراءُ بنُ مالكٍ" [رواه الترمذي والبيهقي في دلائل النبوة، وقال الألباني: حسن صحيح]

وقد لقي"البراء"زحفًا من المشركين، فقال له المسلمون: أقسم على ربك، فقال: أقسمت عليك يا ربِّ لما منحتنا أكتافهم؛ فمنحهم أكتافهم. ثم التقوا مرة أخرى، فقالوا: أقسم على ربك، فقال: أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم، وألحقتني بنبيك - صلى الله عليه وسلم -؛ فمُنحوا أكتافهم، وقُتل البراء.

وروى أبو نعيم بإسناده عن سعد: أن عبد الله بن جحش قال يوم"أُحد": يا ربِّ! إذا لقيتُ العدو غدًا، فلقني رجلًا شديدًا بأسه، شديدًا حَرَدُه [2] أقاتله فيك ويقاتلني، ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتُك غدًا، قلتَ: يا عبد الله! مَن جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك؛ فتقول: صدقتَ. قال سعد: فلقد لقيتُه آخر النهار، وإن أنفه وأذنه لمعلقتان في خيط.

(1) الطِّمْر: الكساء البالي من غير الصوف، والجمع: أطمار.

(2) الحِرْدُ والحَرَدُ لغتان، يقال: حَرِدَ الرجل فهو حَرِدٌ إِذا اغتاظ فتحرش بالذي غاظه وهَمَّ به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت