الصفحة 77 من 103

وشكا أنس بن مالك - رضي الله عنه - عطش أرض له في البصرة، فتوضأ وخرج إلى البرية، وصلى ركعتين ودعا؛ فجاء المطر فسقى أرضه، ولم يجاوز المطر أرضه إلا يسيرا.

وكان رجل من الخوارج يغشى مجلس الحسن البصري، فيؤذيهم، فلما زاد أذاه قال الحسن: اللهم قد علمت أذاه لنا، فاكفناه بما شئت؛ فخر الرجل من قامته، فما حمل إلى أهله إلا ميتًا على سريره.

وكان صلة بن أشيم في سرية، فذهبت بغلته بثقلها، وارتحل الناس، فقام يصلي وقال: اللهم إني أقسم عليك أن ترد عليّ بغلتي وثقلها؛ فجاءت حتى قامت بين يديه.

ومثل هذا كثير جدا، ويطول استقصاؤه. وأكثر مَن كان مجاب الدعوة من السلف كان يصبر على البلاء، ويختار ثوابه، ولا يدعو لنفسه بالفرج منه. وقد روي أن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - كان يدعو للناس لمعرفتهم له بإجابة دعوته، فقيل له: لو دعوتَ الله لبصرك، وكان قد أضر، فقال: قضاء الله أحب إليّ من بصري.

وربما دعا المؤمن المجاب الدعوة بما يعلم الله الخيرة له في غيره؛ فلا يجيبه إلى سؤاله، ويعوضه عنه ما هو خير له إما في الدنيا أو في الآخرة.] [جامع العلوم والحكم]

يا ربِّ .. ما خطَّتْ يدايَ صحيفةً ... إلا وغنّتْ بالحروف سرائرُ

مَنْ لم يجِدْكَ و ضلَّ وِردَكَ مَشربًا ... فَقَدَ النجاةَ، وفي لقاكَ بشائرُ

لا عاش قلبٌ لستَ فيهِ ولا اهتدى ... إنْ ضلَّ غيرَ سبيلِ حبِّك حائِرُ

وإذا عيونٌ لا تراكَ أمامَها ... عَمِيَتْ، وشُلَّتْ في الوجوهِ مَحاجرُ

خسرَ الذي ينساكَ طيبَ حياتِهِ ... ومَنِ استعزَّ بغير عزِّكَ خاسرُ

قالوا: خُذِ الدّنيا و دعْ ما دونها ... قلتُ: الحياةُ بما سواكَ صغائرُ

قالوا: كفرتَ بما حبتْكَ فقلتُ: مَنْ ... يَقضي الحياةَ بغير حبِّكَ كافرُ

قالوا، وقلتُ .. ولستُ أرجو بعد ذا ... إلا رضاكَ، وما سواهُ فَغابرُ

من قصيدة"قالوا وقلتُ"للشاعر السورى/ أنس إبراهيم الدغيم نقلا عن موقع"رابطة أدباء الشام"

قُرُبات مضاعفة الحسنات

قراءة القرآن والإنصات إليه والعمل به

شهر رمضان له خصوصية بالقرآن، كما قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ) [البقرة:185] ، وقد ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان؛ خصوصا الليالي التي يُطلب فيها ليلة القدر، أو في الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها؛ فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناما للزمان والمكان. وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة، وعليه يدل عمل غيرهم.

فكان السلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها. وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: فإنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام. وقال ابن عبد الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، ويُقبل على تلاوة القرآن من المصحف. وكانت عائشة - رضي الله عنها - تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان فإذا طلعت الشمس نامت. وقال سفيان: كان زبيد إذا حضر رمضان أحضر المصاحف وجمع إليه أصحابه.

وللقرآن تأثير عظيم في نفوس أوليائه، فقد كانوا رضوان الله عليهم يتنافسون في حفظه وقراءته في الصلاة وفي غير الصلاة، حتى لقد طاب لهم أن يهجروا لذيد منامهم من أجل تهجدهم به في الأسحار ومناجاتهم العزيز الغفار، وما كان هذا حالا نادرًا فيهم، بل ورد أن المار على بيوت الصحابة بالليل كان يسمع لها دَوِيًّا كدوي النحل بالقرآن، وكان التفاضل بينهم بمقدار ما يحفظ أحدهم من القرآن، وكانت المرأة ترضى بل تغتبط أن يكون مهرها سورة يعلمها إياها زوجها من القرآن.

ولم يقتصر الأمر على التلاوة، بل إن جل اهتمامهم العمل به وتنفيذ تعاليمه في كل شأن من شئونهم، تاركين كل ما كانوا عليه مما يخالف تعاليمه ويجافي هداياته؛ طيبة بذلك نفوسهم، طيعة أجسامهم، سخية أيديهم وأرواحهم، حتى صهرهم القرآن في بوتقته، وأخرجهم للعالَم خَلْقًا آخر؛ مستقيم العقيدة، قويم العبادة، طاهر العادة، كريم الخُلُق، نبيل المطمح ..

جاء في ترجمة الآمدي لـ"عامر بن ربيعة"؛ أنه كان قد نزل به رجل من العرب فأكرم مثواه .. ثم جاءه هذا الرجل وقد أصاب أرضًا، فقال له: إني استقطعتُ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واديًا في العرب، وقد أردتُ أنْ أقطع لك منه قطعة؛ تكون لك ولعقبك من بعدك .. فقال عامر: لا حاجة لي في قطيعتك؛ نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُون) [الأنبياء:1]

وهذا هو فرق ما بين القلوب الحية المتلقية المتأثرة، والقلوب الميتة المغلقة الخامدة، التي تُكَفِّن ميتتها باللهو، وتواري خمودها بالاستهتار، ولا تتأثر بالذكر؛ لأنها خاوية من مقومات الحياة .. !

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت