الصفحة 78 من 103

والمؤمن يجتمع له في شهر رمضان جهادان لنفسه: جهاد بالنهار على الصيام، وجهاد بالليل على القيام وتلاوة القرآن؛ فمَن جمع بين هذين الجهادين، ووفَّى بحقوقهما، وصبر عليهما وُفي أجره بغير حساب. [لطائف المعارف - مناهل العرفان (بتصرف) - الظلال]

عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"الصيامُ والقرآنُ يشفعانِ للعبدِ يومَ القيامةِ، يقولُ الصيامُ: أي رَبِّ منعتُه الطعامَ والشهوةَ فشفِّعني فيه، ويقولُ القرآنُ: منعتُه النومَ بالليلِ فشفِّعني فيه. قال: فيُشفَّعان". [رواه والطبراني، وابن أبي الدنيا، وصححه الألباني]

عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مَن قرأَ حرفًا مِن كتابِ اللهِ فلهُ بهِ حسنةٌ، والحسنةُ بعَشرِ أمثالِها، لا أقولُ: ألم حرفٌ، ولكن ألفٌ حرفٌ ولامٌ حرفٌ وميمٌ حرفٌ". [رواه الترمذي، وصححه الألباني]

فيا عباد الله ..

إن ربنا تبارك وتعالى [يتعبد خلقه بتلاوة القرآن، ويُقربهم إليه، ويأجرهم على مجرد ترديد لفظه، ولو مِن غير فهمه؛ فإذا ضموا إلى التلاوة فهمًا زادوا أجرًا على أجر .. قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ. لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ) [فاطر: 29 - 30]

والقارئ المخلص يتدرج -بتوفيق الله- إلى التدبر والاهتداء بهدي القرآن عن طريق هذا الترغيب المشوق؛ فإن مَن يقرأ القرآن في يومه وهو غافل عن معانيه، يقرأه في غده وهو ذاكر لها، ومَن قرأه في غده وهو ذاكر لها أوشك أنْ يعمل بعد غد بهديها .. وهكذا ينتقل القارئ من درجة إلى درجة أرقى منها؛ حتى يصل إلى الغاية بعد تلك البداية؛ فكل مَن سار على الدرب وصل ..

ويرحم الله"ابن عطاء الله السكندري"إذ يقول في حِكَمه: لا تترك الذِّكر لعدم حضورك مع الله فيه؛ لأنَّ غفلتك عن وجود ذِكره أشد مِن غفلتك في وجود ذِكره. فعسى أنْ يرفعك مِن ذِكر مع وجود غفلة؛ إلى ذِكر مع وجود يقظة .. ومِن ذِكر مع وجود يقظة؛ إلى ذِكر مع وجود حضور .. ومِن ذكر مع وجود حضور؛ إلى ذِكر مع وجود غيبة عما سوى المذكور .. وما ذلك على الله بعزيز.] [مناهل العرفان في علوم القرآن (بتصرف) ]

ومَن[أحب أن يكون من أهل القرآن وأهل الله وخاصته؛ ينبغي أن يتأدب بآداب القرآن، ويتخلق بأخلاق شريفة يتميز بها عن سائر الناس ممن لا يقرأ القرآن .. هِمته إيقاع الفهم لما ألزمه الله من اتباع ما أمر، والانتهاء عما نهى، ليس همته متى أختم السورة؟ هِمته متى أستغني بالله عن غيره؟ متى أكون من المتقين؟ متى أكون من المحسنين؟ متى أكون من الخاشعين؟ متى أحفظ لساني؟ متى أغض طرفي؟ متى أستحيي من الله حق الحياء؟ متى أصلح ما فسد من أمري؟ متى أتزود ليوم معادي؟ متى أكون بزجر القرآن متعظًا؟ متى أكون بذكره عن ذكر غيره مشتغلًا؟ متى أقصر أملي؟ متى أتأهب ليوم موتي وقد غُيب عني أجلي؟ متى أعمر قبري؟ متى أفكر في الموقف وشدته؟

فالمؤمن العاقل إذا تلا القرآن استعرض القرآن؛ فكان كالمرآة يرى بها ما حسن من فعله، وما قبح منه، فما حذره مولاه حذره، وما خوفه به من عقابه خافه، وما رغبه فيه مولاه رغب فيه ورجاه .. فمَن كانت هذه صفته، أو ما قارب هذه الصفة، فقد تلاه حق تلاوته، ورعاه حق رعايته، وكان له القرآن شاهدًا وشفيعًا وأنيسًا وحرزًا .. ومَن كان هذا وصفه؛ نفع نفسه ونفع أهله، وعاد على والديه وعلى ولده كل خير في الدنيا وفي الآخرة.] [أخلاق حملة القرآن للآجري (بتصرف يسير) ]

صلة الأرحام

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"مَن سَرَّه أنْ يُبسَطَ له في رزقِه، وأنْ يُنْسَأَ له في أثَرِه فليَصِلْ رَحِمَهُ". [رواه البخاري]

وفي"صحيح الترغيب والترهيب"عن أبي بكرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ما مِن ذنبٍ أجدرَ أنْ يُعَجِّلَ اللهُ لصاحبِه العقوبةَ في الدنيا مع ما يَدخِرُ له في الآخرةِ مِن البغيِ وقطيعةِ الرحمِ". [رواه ابن ماجه والترمذي، والحاكم]

قال الألباني: ورواه الطبراني فقال فيه:".. من قطيعة الرحم والخيانة والكذب، وإنَّ أعجلَ البِرِّ ثوابًا لَصلةُ الرحمِ، حتى إنَّ أهلَ البيتِ ليكونون فجرةٌ فتنمو أموالُهم ويكثرُ عددُهم إذا تواصلوا". ورواه ابن حبان في صحيحه ففرقه في موضعين، ولم يذكر الخيانة والكذب، وزاد في آخره:"وما من أهل بيت يتواصلون فيحتاجون".

وفي صحيح مسلم عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا يدخلُ الجنةَ قاطعٌ". قال ابن أبي عمر: قال سفيان: يعني قاطع رحم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت