الصفحة 79 من 103

قال الإمام النووي: هذا الحديث يتأول تأويلين: أحدهما: حمله على مَن يَستحِل القطيعة بلا سبب ولا شبهة مع علمه بتحريمها؛ فهذا كافر يخلد في النار، ولا يدخل الجنة أبدًا. والثاني: معناه: ولا يدخلها في أول الأمر مع السابقين، بل يُعاقَب بتأخره القدر الذي يريده الله تعالى. [شرح النووي على صحيح مسلم]

قال عمرو بن دينار: ما من خطوة بعد الفريضة أعظم أجرًا من خطوة إلى ذي رحم.

وقال سليمان بن موسى: قيل لعبد الله بن محيريز: ما حق الرحم؟ قال: تُستقبَلُ إذا أقبلت، وتُتبعُ إذا أدبرت.

قال ابن عباس - رضي الله عنهما: احفظوا أنسابكم؛ تصلوا أرحامكم؛ فإنه لا بُعد بالرحم إذا قربت، وإن كانت بعيدة، ولا قُرب بها إذا بعدت، وإن كانت قريبة، وكل رحم آتية يوم القيامة أمام صاحبها، تشهد له بصلة إن كان وصلها، وعليه بقطيعة إن كان قطعها. [الأدب المفرد]

عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ليس الواصلُ بالمكافئ، ولكنَّ الواصلَ الذي إذا انقطعت رَحِمُه وصلَها". [رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني]

و [هذا من باب الحث على مكارم الأخلاق كقوله تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ) [المؤمنون: 96] ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم:"صِلْ مَن قطعك، وأحسن إلى مَن أساء إليك" [أخرجه السيوطي عن علي، وصححه الألباني]

ونظيره قولك: هو ليس بالرجل، بل الرجل مَن يصدر منه المكارم والفضائل.] [تحفة الأحوذي (ملخصًا) ]

الجزاء من جنس العمل:

في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إنَّ اللهَ خلقَ الخلقَ حتى إذا فرغَ مِن خلقِه قالتِ الرَّحِمُ: هذا مَقامُ العائذِ بكَ مِنَ القطيعةِ. قال: نعم .. أما تَرضَيْنَ أنْ أصلَ مَن وَصلَكِ وأقطعَ مَن قطعَكِ؟ قالت: بلى يا ربِّ. قال: فهو لك". قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"فاقرأوا إن شئتم: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) " [محمد: 22]

[قال القاضي عياض: الرحم التي توصل وتقطع وتبر إنما هي معنى من المعاني، ليست بجسم، وإنما هي قرابة ونسب تجمعه رحم والدة، ويتصل بعضه ببعض، فسمي ذلك الاتصال رحمًا. والمعنى لا يتأتى منه القيام ولا الكلام، فيكون ذكر قيامها هنا وتعلقها ضرب مثل، وحسن استعارة على عادة العرب في استعمال ذلك، والمراد تعظيم شأنها، وفضيلة واصليها، وعظيم إثم قاطعيها بعقوقهم، لهذا سمي العقوق قطعًا، والعق الشق كأنه قطع ذلك السبب المتصل. قال: ويجوز أن يكون المراد قام مَلَك من الملائكة وتعلق بالعرش وتكلم على لسانها بهذا بأمر الله تعالى. هذا كلام القاضي.

والعائذ المستعيذ، وهو المعتصم بالشيء الملتجئ إليه المستجير به. قال العلماء: وحقيقة الصلة العطف والرحمة، فصلة الله سبحانه وتعالى عبارة عن لطفه بهم، ورحمته إياهم، وعطفه بإحسانه ونعمه، أو صلتهم بأهل ملكوته الأعلى، وشرح صدورهم لمعرفته وطاعته.

قال القاضي عياض: ولا خلاف أن صلة الرحم واجبة في الجملة، وقطيعتها معصية كبيرة. قال: والأحاديث في الباب تشهد لهذا، ولكن الصلة درجات بعضها أرفع من بعض، وأدناها ترك المهاجرة، وصلتها بالكلام ولو بالسلام، ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة، فمنها واجب، ومنها مستحب، ولو وصل بعض الصلة لم يصل غايتها لا يسمى قاطعًا، ولو قصر عما يقدر عليه وينبغي له لا يسمى واصلًا.] [شرح النووي على صحيح مسلم]

وقال ابن حجر في"فتح الباري": [مقصود هذا الكلام الإخبار بتأكد أمر صلة الرحم، وأنه تعالى أنزلها منزلة مَن استجار به فأجاره فأدخله في حمايته، وإذا كان كذلك فجار الله غير مخذول، وقد قال - صلى الله عليه وسلم:"مَن صلى الصبح فهو في ذمة الله، وإنَّ مَن يَطلبُه اللهُ بشيءٍ مِن ذمتِه يُدركُه ثم يَكبُّه على وجهِه في النارِ". [أخرجه مسلم]

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إنَّ الرحمَ شُجنةٌ مِن الرحمنِ، فقالَ اللهُ: مَن وصلَكِ وصلتُه، ومَن قطعَكِ قطعتُه". [رواه البخاري]

قوله: (الرحم شجنة) بكسر أوله وسكون الجيم بعدها نون، وجاء بضم أوله وفتحه رواية ولغة. وأصل الشجنة عروق الشجر المشتبكة، والشَّجَن بالتحريك واحد الشجون وهي طرق الأودية، ومنه قولهم:"الحديث ذو شجون"أي يدخل بعضه في بعض.

وقوله: (من الرحمن) أي أخذ اسمها من هذا الاسم، كما في حديث عبد الرحمن بن عوف في السنن مرفوعًا:"أنا الرحمنُ، خلقتُ الرحمَ وشققتُ لها اسمًا مِن اسمي"، والمعنى: أنها أثر من آثار الرحمة مشتبكة بها؛ فالقاطع لها منقطع من رحمة الله. وقال الإسماعيلي: معنى الحديث أن الرحم اشتُقَّ اسمها من اسم الرحمن فلها به علقة، وليس معناه أنها من ذات الله. تعالى الله عن ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت