فهرس الكتاب
قال القرطبي: الرحم التي توصل عامة وخاصة، فالعامة رحم الدِّين؛ وتجب مواصلتها بالتوادد والتناصح والعدل والإنصاف والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة. وأما الرحم الخاصة فتزيد للنفقة على القريب وتفقد أحوالهم والتغافل عن زلاتهم. وتتفاوت مراتب استحقاقهم في ذلك. وقال ابن أبي جمرة: تكون صلة الرحم بالمال، وبالعون على الحاجة، وبدفع الضرر، وبطلاقة الوجه، وبالدعاء.
والمعنى الجامع إيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الشر بحسب الطاقة، وهذا إنما يستمر إذا كان أهل الرحم أهل استقامة، فإن كانوا كفارًا أو فُجارًا فمقاطعتهم في الله هي صلتهم، بشرط بذل الجهد في وَعظهم، ثم إعلامهم إذا أصروا أن ذلك بسبب تخلفهم عن الحق، ولا يسقط مع ذلك صلتهم بالدعاء لهم بظهر الغيب أن يعودوا إلى الطريق المثلى.] أ. هـ (ملخصًا)
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رجلا قال: يا رسول الله! إنَّ لي قَرابةً أصِلُهم ويَقطَعوني، وأُحسِنُ إليهم ويُسيئون إليَّ، وأحلُمُ عنهم ويَجهلون عليَّ .. فقال:"لَئِنْ كنتَ كما قلتَ فكأنما تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، ولا يَزالُ معكَ مِنَ اللهِ ظَهيرٌ عليهم ما دُمتَ على ذلكَ". [رواه مسلم]
[ (أحلم عنهم ويجهلون) أي يسيئون، والجهل هنا القبيح من القول. (الْمَل) : الرماد الحار، و (الظهير) المعين، والدافع لأذاهم.
ومعناه كأنما تطعمهم الرماد الحار، وهو تشبيه لما يلحقهم من الألم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم، ولا شيء على هذا المحسن، بل ينالهم الإثم العظيم في قطيعته، وإدخالهم الأذى عليه. وقيل: معناه إنك بالإحسان إليهم تُخزيهم وتُحقِّرهم في أنفسهم لكثرة إحسانك وقبيح فعلهم من الخزي والحقارة عند أنفسهم، كمَن يسف المل. وقيل: ذلك الذي يأكلونه من إحسانك كالمل يحرق أحشاءهم. والله أعلم.] [شرح النووي على صحيح مسلم]
أحق الناس بالبر والصلة:
قال تعالى: (وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى) [البقرة: 177]
[ (وآتَى المالَ) وهو كل ما يتموله الإنسان من مال، قليلا كان أو كثيرا، أي: أعطى المال (على حُبِّه) أي: حب المال، بيَّن به أن المال محبوب للنفوس، فلا يكاد يُخرجه العبد .. فمَن أخرجه مع حبه له تقربًا إلى الله تعالى، كان هذا برهانًا لإيمانه، ومن إيتاء المال على حبه، أن يتصدق وهو صحيح شحيح، يأمل الغنى، ويخشى الفقر، وكذلك إذا كانت الصدقة عن قلة، كانت أفضل؛ لأنه في هذه الحال يحب إمساكه، لما يتوهمه من العدم والفقر.
وكذلك إخراج النفيس من المال، وما يحبه من ماله كما قال تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) [آل عمران: 92] فكل هؤلاء ممن آتى المال على حبه.
ثم ذكر المنفَق عليهم، وهم أولَى الناس ببرك وإحسانك؛ من الأقارب الذين تتوجع لمصابهم، وتفرح بسرورهم، الذين يتناصرون ويتعاقلون .. فمن أحسن البر وأوفقه تعاهد الأقارب بالإحسان المالي والقولي، على حسب قُربهم وحاجتهم .. فإن إتيانهم المال ينجم عنه خيرات ومصالح .. وقد أمر بالإحسان إليهم لأن مواساتهم تكسبه محبتهم إياه والتئامهم، وهذا التئام القبائل الذي أراده الله بقوله: (لِتَعَارَفُوا) [الحجرات: 13] فليس مُقيَّدًا بوصف فقرهم، بل ذلك شامل للهدية لأغنيائهم، وشامل للتوسعة على المتضائقين وترفيه عيشتهم؛ إذ المقصود هو التحابب.] [تيسير الكريم الرحمن - التحرير والتنوير (بتصرف يسير) ]
[وما قيمة إيتاء المال -على حبه والاعتزاز به- لذوي القربي؟ إن قيمته هي الانعتاق من ربقة الحرص والشح والضعف والأثرة .. انعتاق الروح من حب المال الذي يقبض الأيدي عن الإنفاق، ويقبض النفوس عن الأريحية، ويقبض الأرواح عن الانطلاق. فهي قيمة روحية يشير إليها ذلك النص على حب المال. وقيمة شعورية أن يبسط الإنسان يده وروحه فيما يحب من مال. لا في الرخيص منه ولا الخبيث. فيتحرر من عبودية المال؛ هذه العبودية التي تستذل النفوس، وتنكس الرءوس. ويتحرر من الحرص. والحرص يذل أعناق الرجال. وهي قيمة إنسانية كبرى في حساب الإسلام، الذي يحاول دائمًا تحرير الإنسان من وساوس نفسه وحرصها وضعفها قبل أن يحاول تحريره من الخارج في محيط الجماعة وارتباطاتها، يقينًا منه بأن عبيد أنفسهم هم عبيد الناس؛ وأن أحرار النفوس من الشهوات هم أحرار الرؤوس في المجتمعات .. !
ثم إنها بعد ذلك كله قيمة إنسانية في محيط الجماعة .. هذه الصلة لذوي القربى فيها تحقيق لمروءة النفس، وكرامة الأسرة، ووشائج القربى. والأسرة هي النواة الأولى للجماعة. ومِن ثَم هذه العناية بها وهذا التقديم .. ] [في ظلال القرآن]