فهرس الكتاب
وكان عمر - رضي الله عنه - قد أمر أُبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما بالناس في شهر رمضان، فكان القارئ يقرأ بالمائتين في ركعة حتى كانوا يعتمدون على العصي من طول القيام، وما كانوا ينصرفون إلا عند الفجر.
وسئل الإمام أحمد عما رُوي عن عمر - رضي الله عنه - فقال: في هذا مشقة على الناس، ولا سيما في هذه الليالي القصار، وإنما الأمر على ما يحتمله الناس.
وكلام الإمام أحمد يدل على أنه يراعي في القراءة حال المأمومين؛ فلا يشق عليهم. وقاله أيضًا غيره من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم.
قال ابن منصور: سئل إسحاق بن راهويه: كم يُقرأ في قيام شهر رمضان؟ فلم يُرخِّص في دون عشر آيات من البقرة، والآيات الخفاف فبقدر عشر آيات من البقرة في كل ركعة. وكذلك كره الإمام مالك أن يُقرأ دون عشر آيات.
عن جبير بن نفير عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: صمنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رمضان، فلم يقم بنا شيئًا من الشهر حتى بقي سبع، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت السادسة لم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل، فقلتُ: يا رسول الله! لو نفلتَنا قيام هذه الليلة؟ قال: فقال:"إنَّ الرجلَ إذا صلى مع الإمامِ حتى ينصرفَ حُسبَ له قيامُ ليلةٍ". قال: فلما كانت الرابعة لم يقم، فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح. قال: قلتُ: وما الفلاح؟ قال: السحور. ثم لم يقم بقية الشهر. [رواه أبو داود، وصححه الألباني]
وهذا يدل على أن قيام ثلث الليل ونصفه يُكتب به قيام ليلة لكن مع الإمام، وكان الإمام أحمد يأخذ بهذا الحديث ويصلي مع الإمام حتى ينصرف، ولا ينصرف حتى ينصرف
الإمام. وقال بعض السلف: مَن قام نصف الليل فقد قام الليل.
الاعتكاف والاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان:
لما كان صلاحُ القلب واستقامتُه على طريق سيره إلى الله تعالى، متوقِّفا على جمعيته على الله، ولَمِّ شَعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى، فإن شَعَثَ القلب لا يَلُمُّه إلا الإقبال على الله تعالى، وكان فُضول الطعام والشراب، وفُضول مخالطة الأنام، وفضول الكلام، وفضول المنام، مما يزيدُه شَعَثًا، ويُشَتِّتُهُ في كل وادٍ، ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى، أو يُضعِفه، أو يعوقه ويُوقِفه.
اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يُذهِب فضولَ الطعام والشراب، ويَستفرِغُ مِن القلب أخلاطَ الشهوات المعوِّقة له عن سيره إلى الله تعالى، وشرعه بقدر المصلحة، بحيث ينتفعُ به العبد في دنياه وأُخراه، ولا يضرُّه ولا يقطعه عن مصالحه العاجلة والآجلة، وشرع لهم الاعتكاف الذى مقصودُه وروحُه عكوفُ القلبِ على الله تعالى، وجمعيَّتُه عليه، والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق والاشتغال به وحده سبحانه، بحيث يصير ذِكره وحبه، والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته، فيستولى عليه بَدَلَها، ويصير الهمُّ كله به، والخطرات كلها بذكره، والتفكُر في تحصيل مراضيه وما يُقرِّب منه، فيصيرُ أُنسه بالله بَدَلًا عن أُنسه بالخلق، فيعده بذلك لأنسه به يوم الوَحشة في القبور حين لا أنيس له، ولا ما يفرح به سواه، فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم.
ولما كان هذا المقصود إنما يتمُّ مع الصوم، شُرِع الاعتكاف في أفضل أيام الصوم، وهو العشر الأخير من رمضان، ولم يُنقل عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه اعتكف مُفطِرًا قَطُّ، بل قد قالت عائشة - رضي الله عنها: لا اعتكاف إلا بصوم. ولم يذكر اللهُ سبحانه الاعتكاف إلا مع الصوم، ولا فعله رسولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - إلا مع الصوم.
فالقول الراجح في الدليل الذى عليه جمهورُ السلف: أن الصوم شرط في الاعتكاف، وهو الذى كان يُرجِّحه شيخُ الإسلام أبو العباس بن تيمية.
وأما الكلام، فإنه شُرِعَ للأمة حبس اللسان عن كل ما لا ينفع في الآخرة. وأما فُضول المنام، فإنه شُرِعَ لهم من قيام الليل ما هو من أفضل السهر وأحمده عاقبة، وهو السهر المتوسِّطُ الذى ينفع القلبَ والبدن، ولا يَعُوق عن مصلحة العبد.
كل هذا تحصيلا لمقصود الاعتكاف وروحه، عكس ما يفعله الجهال من اتخاذ المعتكَف موضِع عِشْرة، ومجلبة للزائرين، وأخذهم بأطراف الأحاديث بينهم، فهذا لون، والاعتكاف النبوى لون. واللَّه الموفق.
وكثير من العلماء يقولون: إنك إذا دخلت المسجد تأخذ ثواب الاعتكاف مادمت قد نويت سنة الاعتكاف؛ بشرط ألا تتكلم في أي أمر من أمور الدنيا؛ لأنك جئت من حركتك المطلقة في الأرض إلى بيت الله في تلك اللحظة، فاجعل لحظاتك لله. ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مَن سَمِعَ رجُلا يَنْشُدُ ضَالَّةً في المسجدِ فلْيَقُلْ: لا رَدَّها اللهُ عليكَ؛ فإنَّ المساجدَ لم تُبْنَ لهذا". [رواه مسلم]