فهرس الكتاب
فالمسجد مكان للعبادة، ولذلك أقول لمن يحدثني في المسجد بأي شيء يتعلق بحركة الحياة: أبشر بأنها لن تنفع! لأنك دخلت المسجد للعبادة فقط، إن لحظة دخولك المسجد هي لحظة جئت فيها لتقترب من ربك وتناجيه، وتعيش في حضن عنايته، فلماذا تأتي بالدنيا معك؟ وليكن لنا في أحد الصحابة قدوة حسنة؛ كان يقول: كنا نخلع أمر الدنيا مع نعالنا. فيمكن أن تأخذك الدنيا ساعات اليوم الكثيرة، والمسجد لن يأخذ منك إلا الوقت القليل، فضع دنياك مع نعلك خارج المسجد، وادخل بقلب خالٍ من هموم الدنيا المتشعبة وعلائقها المعوقة. واجلس في المكان الذي تجده خاليا. فلا تتخطَ الرقاب لتصل إلى مكان معين في المسجد. فأنت تدخل بعبودية لله وقد يأتي مجلسك بجانب مَن يخدمك، والصغير يقعد بجانب الكبير، ولا تلحظ لك قَدْرًا إلا قدرك عند الله. وانوِ الاعتكاف، ولا تتكلم في أي أمر من أمور الدنيا.
فالخلوة المشروعة لهذه الأمة هي الاعتكاف في المساجد؛ خصوصًا في شهر رمضان؛ خصوصًا في العشر الأواخر منه، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله، فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذِكره، وقطع عن نفسه كل شاغل يشغله عنه، وعكف بقلبه وقالبه على ربه وما يُقربه منه؛ فما بقي له هم سوى الله وما يرضيه عنه.
فمعنى الاعتكاف وحقيقته: قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق. وكلما قويت المعرفة بالله والمحبة له والأنس به أورثت صاحبها الانقطاع إلى الله تعالى بالكلية على كل حال. كان بعضهم لا يزال منفردًا في بيته خاليًا بربه، فقيل له: أما تستوحش؟ قال: كيف أستوحش وهو يقول: أنا جليس مَن ذكرني ..
وقد ثبت في السنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجه من بعده. [زاد المعاد - تفسير الشعراوي - لطائف المعارف]
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخص العشر الأواخر من رمضان بأعمال لا يعملها في بقية الشهر. ففي الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله، وجَدَّ، وشَدَّ الْمِئْزَر. وفي رواية لمسلم عنها - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجتهد في العشر الأواخر مالا يجتهد في غيره.
قال الإمام النووي:[اختلف العلماء في معنى (شَدَّ المِئْزَر) ، فقيل: هو الاجتهاد في العبادات زيادة على عادته - صلى الله عليه وسلم - في غيره، ومعناه: التشمير في العبادات، يقال: شددتُ لهذا الأمر مئزري، أي: تشمرتُ له وتفرغتُ، وقيل: هو كناية عن اعتزال النساء للاشتغال بالعبادات.
وقولها: (أحيا الليل) أي: استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها، وقولها: (وأيقظ أهله) أي: أيقظهم للصلاة في الليل، وجَدَّ في العبادة زيادة على العادة.
ففي هذا الحديث: أنه يُستحب أنْ يُزاد من العبادات في العشر الأواخر من رمضان، واستحباب إحياء لياليه بالعبادات.
وأما قول أصحابنا: يُكره قيام الليل كله، فمعناه: الدوام عليه، ولم يقولوا بكراهة ليلة وليلتين والعشر، ولهذا اتفقوا على استحباب إحياء ليلتي العيدين وغير ذلك. (والمئزر) هو الإزار. والله أعلم.] [شرح النووي على صحيح مسلم]
الإكثار من النوافل
في سنن أبي داود عن أبى الأسود الدؤلي قال: بينما نحن عند أبى ذر - رضي الله عنه - قال:"يُصبِحُ على كلِّ سُلامَى مِن أحدِكم في كلِّ يومٍ صدقةٌ، فلهُ بكلِّ صلاةٍ صدقةٌ، وصيامٍ صدقةٌ، وحجٍّ صدقةٌ، وتسبيحٍ صدقةٌ، وتكبيرٍ صدقةٌ، وتحميدٍ صدقةٌ"فعَدَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذه الأعمالِ الصالحةِ، ثم قال:"يُجزِئُ أحدَكم مِن ذلك ركعتا الضحى". [صححه الألباني]
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية فغنموا وأسرعوا الرجعة، فتحدث الناس بقُرب مغزاهم وكثرة غنيمتهم وسرعة رجعتهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ألا أدلُّكم على أقربَ منهم مَغزًى وأكثرَ غنيمةً وأوشكَ رجعةً؟ مَن توضأَ ثُم غَدَا إلى المسجدِ لسُبْحَةِ [1] الضحَى فهو أقربُ منهم مغزًى وأكثرُ غنيمةً وأوشكُ رجعةً". [قال الألباني: حسن صحيح]
(1) السُّبْحة: الدعاء وصلاة التطوع والنافلة، يقال: فرغ فلانٌ من سُبْحَته أَي من صلاته النافلة. وقيل لصلاة النافلة: سُبْحة لأَنها نافلة كالتسبيحات والأَذكار في أَنها غير واجبة. والسُّبْحَة التطوع من الذِّكر والصلاة. [لسان العرب]