الصفحة 94 من 103

قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ. سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) [القدر:1 - 5]

(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) أي: أنزلنا القرآن على قلب خاتم النبيين، بمعنى ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر. وقد وصفت بالمباركة في قوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ) [الدخان:3] ، وكانت في رمضان، لقوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) [البقرة:185]

سميت ليلة القدر، إما بمعنى ليلة التقدير؛ لأن الله تعالى ابتدأ فيها تقدير دِينه وتحديد الخطة لنبيه في دعوة الناس إلى ما ينقذهم مما كانوا فيه، أو بمعنى العظمة والشرف، من قولهم: فلان له قدر، أي: له شرف وعظمة؛ لأن الله قد أعلى فيها منزلة نبيه وشرَّفه وعظَّمه بالرسالة، وقد جاء بما فيه الإشارة، بل التصريح، بأنها ليلة جليلة؛ بجلالة ما وقع فيها من إنزال القرآن. فقال: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ) أي: وما الذي يعلمك مبلغ شأنها ونباهة أمرها. وهو تنويه بطريق الإبهام المراد به أن إدراك كنهها ليس بالسهل لما ينطوي عليه من الفضائل الجمَّة. وكلمة (ما أدراك ما كذا) كلمة تقال في تفخيم الشيء وتعظيمه، والمعنى: أيُّ شيء يُعَرِّفك ما هي ليلة القدر، أي يعسر على شيءٍ أن يعرِّفك مقدارَها. والاستفهام يدل على أن شرفها ليس مما تسهل إحاطة العلم به. وكذا الاستفهام جارٍ على عادتهم في الخطاب، وإلا فالعليم الخبير لا يقع منه أن يستفهم عن شيء.

وأعيد اسم (لَيْلَةُ القدر) على خلاف مقتضى الظاهر؛ لأن مقتضى الظاهر الإضمارُ، فقُصِد الاهتمامُ بتعيينها، فحصل تعظيم ليلة القدر صريحا، وحصلت كناية عن تعظيم ما أنزل فيها، وأن الله اختار إنزاله فيها ليتطابق الشرفان.

(لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ) ؛ لأنه قد مضى على الأمم آلاف من الشهور وهو يختبطون في ظلمات الضلال؛ فليلة يسطع فيها نور الهدى خير من ألف شهر من شهورهم الأولى. ولك أن تقف في التفضيل عند النص، وتفوض الأمر في تحديد ما فضلت عليه الليلة بألف شهر إلى الله تعالى؛ فهو الذي يعلم سبب ذلك ولم يبينه لنا. فيكون التحديد بالألف الغرض منه التكثير، وإن أقل عدد تفضله هو ألف شهر. كقولهم: واحد كألف، وعليه جاء قوله تعالى: (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ) [البقرة:96] ، فهي ليلة خير من الدهر إن شاء الله.

وتفضيلها بالخَيْر على ألف شهر؛ إنما هو بتضعيف فضل ما يحصل فيها من الأعمال الصالحة، واستجابة الدعاء، ووفرة ثواب الصدقات، والبركة للأمة فيها، لأن تفاضل الأيام لا يكون بمقادير أزمنتها، ولا بما يحدث فيها من حَر أو برد أو مطر، ولا بطولها أو بقصرها، فإن تلك الأحوال غير معتدّ بها عند الله تعالى، ولكن الله يعبأ بما يحصل من الصلاح للناس أفرادا وجماعات، وما يعين على الحق والخير ونشر الدين. وقد قال في فضل الناس: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات:13] ؛ فكذلك فَضْل الأزمان إنما يُقاس بما يحصل فيها لأنها ظروف للأعمال، وليست لها صفات ذاتية يمكن أن تتفاضل بها كتفاضل الناس؛ ففضلها بما أعدَّه الله لها من التفضيل، كتفضيل ثلث الليل الأخير للقربات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت