الصفحة 95 من 103

ثم استأنف لبيان بعض مزاياها فقال: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا) يخبر جل شأنه أن أول عهد للنبي - صلى الله عليه وسلم - بشهود الملائكة كان في تلك الليلة، تنزلت من عالمها الروحاني الذي لا يحدهُ حد ولا يحيط به مقدار، حتى تمثلت لبصره - صلى الله عليه وسلم -، والروح هو الذي يتمثل له مُبلغًا للوحي، وهو جبريل - عليه السلام -. وإنما تظهر الملائكة والروح (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) أي: إنما تتجلى الملائكة على النفس الكاملة، بعد أن هيأها الله لقبول تجليها. وليست تتجلى الملائكة لجميع النفوس كما هو معلوم، فذلك فضل الله يختص به من يشاء. واختصاصه هو إذنه ومشيئته. ثم إن هذا الإذن مبدؤه الأوامر والأحكام؛ لأن الله يجلي الملائكة على النفوس، لإيحاء ما يريده منها. ولهذا قال: (مِّن كُلِّ أَمْرٍ) أي: أن الله يظهر الملائكة والروح لرسله عند كل أمر يريد إبلاغه إلى عباده، فيكون الإذن مبتدئا من الأمر على هذا المعنى. والأمر ها هنا هو الأمر في قوله: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ. أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) [الدخان:4 - 5] ، فالكلام في الرسالة والأوامر والأحكام، لا في شيء سواها. وإنما عبر بالمضارع في قوله: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ) ، وقوله: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) مع أن المعنى ماضٍ، لأن الحديث عن مبدأ نزول القرآن لوجهين:

الأول: لاستحضار الماضي لعظمته على نحو ما في قوله: (وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ) [البقرة:214] ، فإن المضارع بعد الماضي يزيد الأمر تصويرًا.

والثاني: لأن مبدأ النزول كان فيها، ولكن بقية الكتاب وما فيه من تفصيل الأوامر والأحكام كان فيما بعد، فكأنه يشير إلى أن ما ابتدأ فيها يستمر في مستقبل الزمان حتى يكمل الدين.

ولما كان الملوك والسادات لا يحبون أن يدخل دارهم أحد حتى يزينوها بالفرش والبسط، ويزينوا عبيدهم بالثياب والأسلحة .. فإذا كان ليلة القدر أمر الرب تبارك وتعالى الملائكة بالنزول إلى الأرض؛ لأن العباد زينوا أنفسهم بالطاعات بالصوم والصلاة في ليالي رمضان، ومساجدهم بالقناديل والمصابيح، فيقول الرب تعالى: أنتم طعنتم في بني آدم وقلتم: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) [البقرة:30] ، فقلت لكم: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُون) .. اذهبوا إليهم في هذه الليلة حتى تروهم

قائمين ساجدين راكعين؛ لتعلموا أني اخترتهم على علم على العالمين.

وقوله تعالى: (سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) السلام: معناه السلامة. قال تعالى: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيم) [الأنبياء:69] . ويطلق السلام على التحية والمِدحة، وفسر السلام بالخَيْر، والمعنيان حاصلان في هذه الآية، فالسلامة تشمل كل خير لأن الخيْر سلامة من الشر ومن الأذى، فيشمل السلامُ الغفرانَ وإجزال الثواب واستجابة الدعاء بخير الدنيا والآخرة. والسلام بمعنى التحية والقول الحسن مراد به ثناء الملائكة على أهل ليلة القدر كدأبهم مع أهل الجنة فيما حكاه قوله تعالى: (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ. سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) [الرعد:23 - 24]

و (حتى مطلع الفجر) أي أن جميع أحيان تلك الليلة معمورة بنزول الملائكة والسلامة، وجيء بحرف (حتى) لبيان أن ليلة القدر تمتد بعد مطلع الفجر؛ بحيث أن صلاة الفجر تعتبر واقعة في تلك الليلة لئلا يُتوهم أن نهايتها كنهاية الفِطر بآخر جزء من الليل، وهذا توسعة من الله في امتداد الليلة إلى ما بعد طلوع الفجر.

ولا إجماع في تعيين تلك الليلة، ففي الصحيحين عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنَّ رجالا مِن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أُرُوا ليلةَ القدرِ في المنام في السَّبْعِ الأواخِر فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أرَى رُؤياكُم قد تَواطَأتْ في السَّبْعِ الأواخِرِ فمَن كان مُتَحَرِّيها فَلْيَتَحَرَّها في السَّبْعِ الأواخِرِ".

وفي صحيح مسلم عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"الْتَمِسُوها في العَشْرِ الأواخِرِ (يعني ليلة القدر) فإنْ ضَعُفَ أحَدُكُم أو عَجَزَ فلا يُغْلَبَنَّ على السَّبْعِ البواقي".

وفي الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"تَحَرَّوْا ليلةَ القَدْرِ في الوِتْرِ مِنَ العَشْرِ الأواخِرِ مِن رمضانَ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت