فهرس الكتاب
وما ورد في الأحاديث من ذكرها، إنما قُصد به حث المؤمنين على إحيائها بالعبادة؛ شكرًا لله تعالى على ما هداهم بهذا الدين الذي ابتدأ الله إفاضته فيهم في أثنائها. ولهم أن يعبدوا الله فيها أفرادًا وجماعات، فمَن رجح عنده خبر في ليلة أحياها، ومَن أراد أن يوافقها على التحقيق، فعليه أن يشكر الله بالفراغ إليه بالعبادات في الشهر كله. وهذا هو السر في عدم تعيينها. وتشير إليه آية البقرة فإنها تجعل الشهر كله ظرفا لنزول القرآن، ليذكر المؤمنون نعمة الله عليهم فيه؛ فهي ليلة عبادة وخشوع، وتذكر لنعمة الحق والدين.
ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعتكف، ويكثر من التعبد في العشر الأواخر من رمضان، رجاء ليلة القدر.
ولله حكمة بالغة في إخفائها عنا، فلو تيقنا أي ليلة هي لتراخت العزائم طوال رمضان، واكتفت بإحياء تلك الليلة، فكان إخفاؤها حافزا للعمل في الشهر كله، ومضاعفته في العشر الأواخر منه، وفي هذا خير كثير للفرد والجماعة.
وهذا كما أخفى الله تعالى عنا ساعة الإجابة في يوم الجمعة، لندعوه في اليوم كله، وأخفى اسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب؛ لندعوه بأسمائه الحسنى جميعا.
روى البخاري عن عبادة بن الصامت أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج يُخبِر بليلة القدر فتَلاحَى رجلان مِن المسلمين، فقال:"إني خرجتُ لأُخبرَكم بليلةِ القَدْرِ، وإنهُ تَلاحَى فُلانٌ وفُلانٌ فَرُفِعَتْ، وعسى أنْ يكونَ خيرًا لكم، التَمِسُوها في السَّبْعِ والتِّسْعِ والخَمْسِ".
قال ابن جرير: كانوا يستحبون أن يغتسلوا كل ليلة من ليالي العشر الأواخر، وكان النخعي يغتسل في العشر كل ليلة، ومنهم مَن كان يغتسل ويتطيب في الليالي التي تكون أرجى لليلة القدر. فأمر ذر بن حبيش بالاغتسال ليلة سبع و عشرين من رمضان، ورُوي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه إذا كان ليلة أربع وعشرين اغتسل وتطيب ولبس حلة إزار أو رداء، فإذا أصبح طواهما فلم يلبسهما إلى مثلها من قابل. وكان أيوب السختياني يغتسل ليلة ثلاث وعشرين وأربع وعشرين، ويلبس ثوبين جديدين ويستجمر. وقال حماد بن سلمة: كان ثابت البُناني وحُمَيد الطويل يلبسان أحسن ثيابهما ويتطيبان، ويطيبون المسجد بالنضوح والدخنة في الليلة التي تُرجى فيها ليلة القدر. وقال ثابت: كان لتميم الداري - رضي الله عنه - حُلة اشتراها بألف درهم، وكان يلبسها في الليلة التي تُرجى فيها ليلة القدر.
فتبين بهذا أنه يُستحب في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر التنظف والتزين والتطيب بالغسل والطيب واللباس الحسن، كما يُشرع ذلك في الجُمَع والأعياد، وكذلك يُشرع أخذ الزينة بالثياب في سائر الصلوات، كما قال تعالى: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) [الأعراف:31] ، وقال ابن عمر - رضي الله عنهما: الله أحق أن يُتزين له، ورُوي عنه مرفوعا:"ولا يكمل التزين الظاهر إلا بتزين الباطن". أي بالتوبة والإنابة إلى الله تعالى، وتطهير الباطن من أدناس الذنوب وأوضارها؛ فإن زينة الظاهر مع خراب الباطن لا تُغني شيئا، قال الله تعالى: (يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) [الأعراف:26]
ولا يصلح لمناجاة الملك في الخلوات إلا مَن زين ظاهره وباطنه وطهرهما؛ خصوصًا لملك الملوك الذي يعلم السر وأخفى، وهو سبحانه لا ينظر إلى صوركم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فمَن وقف بين يديه فليزين له ظاهره باللباس وباطنه بلباس التقوى.
وقد حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - من الغفلة عنها وإهمال إحيائها، فقال - صلى الله عليه وسلم:"إنَّ هذا الشهرَ قد حضرَكم وفيه ليلةٌ خيرٌ مِن ألفِ شهرٍ، مَن حُرِمَها فقد حُرِمَ الخيرَ كلَّه، ولا يُحرَمُ خيرَها إلا محرومٌ". [خرجه السيوطي، وحسنه الألباني في صحيح الجامع] [1]
فاعفُ عني ..
عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قلت: يا رسول الله! أرأيت إن علمتُ أي ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال:"قولي: اللهم إنك عفوٌّ تُحبُّ العفوَ فاعفُ عني". [رواه أحمد وابن ماجه والترمذي، وصححه الألباني]
لقد علَّم النبي - صلى الله عليه وسلم - أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - أن تدعو بمقاييس الخير الواسع .. فلا يوجد خير أفضل من العفو.
والعفو من أسماء الله تعالى، وهو الذي يمحو السيئات، ويتجاوز عن المعاصي، وهو قريب من (الغفور) ولكنه أبلغ منه؛ فإن الغفران ينبئ عن الستر، والعفو ينبئ عن المحو، والمحو أبلغ من الستر.
والله جل جلاله [يعفو عن المسيء كرمًا وإحسانًا، ويفتح عن واسع رحمته فضلا وإنعامًا، حتى يزول اليأس من القلوب وتتعلق بعلام الغيوب.
(1) محاسن التأويل - التحرير والتنوير - فقه الصيام للقرضاوي - لطائف المعارف