الصفحة 97 من 103

العفُوّ يزيل عن النفوس ظلمة الزلات برحمته، ووحشة الغفلات عن القلوب بكرامته .. والعفُوّ هو الذي أزال الذنوب من الصحائف، وأبدل الوحشة بفنون اللطائف .. والعفُوّ هو الذي يمحو آثار الذنوب ويزيل ريحها بمغفرته .. العفُوّ هو الذي يترك المؤاخذة على الذنوب، ولا يُذَكِّر بالعيوب .. ] [د. راتب النابلسي]

وهو سبحانه يحب العفو، فيحب أن يعفو عن عباده، ويحب مِن عباده أن يعفو بعضهم عن بعض، فإذا عفا بعضهم عن بعض عاملهم بعفوه، وعفوه أحب إليه من عقوبته. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:"أعوذُ برضاكَ مِن سَخَطِك و بمعافاتِك مِن عقوبتِك".

قال يحيى بن معاذ: لو لم يكن العفو أحب الأشياء إليه لم يَبتَلِ بالذنب أكرم الناس عليه. يشير إلى أنه ابتلى كثيرًا من أوليائه وأحبابه بشيء من الذنوب؛ ليعاملهم بالعفو؛ فإنه يحب العفو.

والله تبارك وتعالى يحب أن يعفو ويغفر، وإنما أحب أن يعفو ليكون العباد كلهم تحت عفوه، ولا يَدِلُّ [1] عليه أحد منهم بعمل.

كان بعض المتقدمين يقول في دعائه: اللهم إن ذنوبي قد عظمت فجلت عن الصفة، وإنها صغيرة في جنب عفوك؛ فاعفُ عني. وقال آخر: جُرمي عظيم، وعفوك كثير؛ فاجمع بين جُرمي وعفوك يا كريم!

وإنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر؛ لأن العارفين يجتهدون في الأعمال ثم لا يرون لأنفسهم عملا صالحا ولا حالا ولا مقالا فيرجعون إلى سؤال العفو كحال المذنب المقصر. قال يحيى بن معاذ: ليس بعارف من لم يكن غاية أمله من الله العفو.

وكان مُطرف يقول في دعائه: اللهم ارضَ عنا، فإنْ لم ترضَ عنا فاعفُ عنا.

فمَن عظمت ذنوبه في نفسه لم يطمع في الرضا، وكان غاية أمله أن يطمع في العفو، ومَن كملت معرفته لم يرَ نفسه إلا في هذه المنزلة.

يا ربِّ عبدُكَ قد أتاكَ و قد أساءَ و قد هَفَا

يكفيهِ منكَ حياؤهُ مِن سُوءِ ما قد أسلفَا

حمَلَ الذنوبَ على الذنوبِ المُوبِقاتِ وأسرفَا

و قد استجارَ بذيلِ عفوِكَ مِن عِقابِكَ مُلحِفَا

ربِّ اعفُ عنه وعافِهِ فلأنتَ أولَى مَن عَفَا

ليلة الإنابة فيها تفتح أبواب الإجابة:

قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) [البقرة:186]

قال الإمام تقي الدين ابن تيمية: [وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم:"إنَّ الذي تدعونه أقربُ إلى أحدِكم مِن عُنُقِ راحلتِه". وما ذُكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته؛ لا ينافي ما ذُكر من علوّه وفوقيته؛ فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته. وهو عليٌّ في دنوه، قريب في علوه .. !] أ. هـ

وما فائدة ذلك القرب؟ إن الحق يقول: (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) ، ولكن ما الشروط اللازمة لذلك؟

لقد قال الحق: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي) ، ونعرف أن هناك فرقًا بين"عبيد"و"عباد"، صحيح أن مفرد كل منهما"عبد"، لكن هناك"عبيد"و"عباد"، وكل مَن في الأرض عبيد الله، ولكن ليس كل مَن في الأرض عبادًا لله، لماذا؟

لأن العبيد هم الذين يُقهرون في الوجود كغيرهم بأشياء، وهناك مَن يختارون التمرد على الحق، لقد أخذوا اختيارهم تمردا، لكن العباد هم الذين اختاروا الانقياد لله في كل الأمور.

إن العباد يمتازون بأن الأمر الذي جعل الله لهم فيه اختيارًا قالوا: يا رب! أنت جعلت لنا الاختيار، وقد اخترنا منهجك، ولم نترك هوانا يتحكم فينا، أنت قلت سبحانك:"افعل كذا"و"لا تفعل كذا"، ونحن قبلنا التكليف منك يا ربنا.

إن العباد هم الذين ردوا أمر الاختيار إلى مَن وهب الاختيار، ويصفهم الحق بقوله: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَمًا. وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) [الفرقان:63 - 64]

هؤلاء هم عباد الرحمن، ولذلك يقول الحق للشيطان في شأنهم: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) [الحجر:42]

إذن فللشيطان سلطان على مطلق"عبيد"؛ لأنه يدخل عليهم من باب الاختيار. ولم تأتِ كلمة (عِبَادِي) لغير هؤلاء إلا حين تقوم الساعة، ويحاسب الحق الذين أضلوا العباد فيقول: (أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي) [الفرقان:17] ، ساعة تقوم الساعة لا يوجد الاختيار، ويصير الكل عبادًا؛ حتى الكفرة لم يعد لهم اختيار.

قال الراغب: بيَّن تعالى في هذه الآية إفضاله على عباده، وضمن أنهم إذا دعوه أجابهم، وعليه نبَّه بقوله تعالى: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر:60] . إن قيل: قد ضمن في الآيتين أن مَن دعاه أجابه، وكم رأينا مِن داعٍ له لم يجبه؟! قيل: إنه ضمن الإجابة لعباده.

(1) دَلَّ يَدِلُّ: إذا مَنَّ بعطائه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت