الصفحة 98 من 103

وحين يقول الحق: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) فالعباد الذين التزموا لله بالمنهج الإيماني لن يسألوا الله إلا بشيء لا يتنافى مع الإيمان وتكاليفه.

والحق يقول: (فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي) ؛ لأن الدعاء يطلب جوابا، ومادمت تطلب إجابة الدعاء فتأدب مع ربك؛ فهو سبحانه قد دعاك إلى منهجه فاستجب له إن كنت تحب أن يستجيب الله لك: (فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي) ، وبعد ذلك يتكلم الحق سبحانه وتعالى في كلمة (الدَّاعِ) ولا يتركها مطلقة، فيقول: (إِذَا دَعَانِ) ، فكأن كلمة"دعا"تأتي ويدعو بها الإنسان، وربما اتجه بالدعوة إلى غير القادر على الإجابة، ومثال ذلك قول الحق: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ) [الأعراف:194]

فكأن الداعي قد يأخذ صفة يدعو بها غير مؤهل للإجابة، والحق هنا قال: (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) ، أما إذا ذهب فدعا غير قادر على الوفاء؛ فالله ليس مسئولا عن إجابة دعوته.

إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يعلمنا أن الإنسان يدعو بالخير لنفسه، وأنت لا تستطيع أن تحدد هذا الخير؛ لأنك قد تنظر إلى شيء على أنه الخير وهو شر، ومادمت تدعو فأنت تظن أن ذلك هو الخير، إذن فملحظية الأصل في الدعاء هي أنك تحب الخير، ولكنك قد تخطيء الطريق إلى فهم الخير أو الوسيلة إلى الخير، أنت تحب الخير لا جدال، لذلك تكون إجابة ربك إلى دعائك هي أن يمنع إجابة دعوتك إن كانت لا تصادف الخير بالنسبة لك، ولذلك يجب ألا تفهم أنك حين لا تجاب دعوتك كما رجوت وطلبت أن الله لم يستجب لك فتقول: لماذا لم يستجب الله لي؟ كلا .. لقد استجاب لك، ولكنه نحَّى عنك حمق الدعوة أو ما تجهل بأنه شر لك. فالذي تدعوه حكيم؛ فيقول: أنا سأعطيك الخير، والخير الذي أعلمه أنا فوق الخير الذي تعلمه أنت، ولذلك فمن الخير لك ألا تجاب إلى هذه الدعوة.

ومن حكم ابن عطاء الله السكندري: لا يَكُن تأخُّرُ أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبا ليأسك؛ فهو ضَمِنَ لك الإجابة فيما يختاره لك، لا فيما تختاره لِنَفسك، وفي الوقت الذي يُريد، لا في الوقت الذي تُريد.

وكذلك يكون حظك من الدعاء لا يُستجاب لأن ذلك قد يرهقك أنت .. والحق سبحانه وتعالى يقول: (وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَآءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولًا) [الإسراء:11] ، ولذلك يقول سبحانه: (سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ) [الأنبياء:37]

والعلماء يقولون: إن الدعاء إن قصدت به الذلة والعبودية يكون جميلًا، أما الإجابة فهي إرادة الله، وأنت إنْ قَدَّرتَ حظك من الدعاء في الإجابة عليه فأنت لا تُقدر الأمر. إن حظك من الدعاء هو العبادة والذلة لله؛ لأنك لا تدعو إلا إذا اعتقدت أن أسبابك كبشر لا تقدر على هذه، ولذلك سألت مَن يقدر عليها، وسألت مَن يملك.

فمَنْ يقول: لقد دعوتُ ربي فلم يستجب لي، نقول له: لا تكن قليل الفطنة فمِن الخير لك أنْ لا تُجاب إلى ما طلبت، فالله يعطيك الخير في الوقت الذي يريده.

وشيء آخر، قد يحجب عنك الإجابة، لأنه إن أعطاك ما تحب فقد أعطاك في خير الدنيا الفانية، وهو يحبك فيُبقي لك الإجابة إلى خير الباقية، وهذه ارتقاءات لا ينالها إلا الخاصة، وهناك ارتقاءات أخرى تتمثل في أنه ما دام الدعاء فيه ذلة وخضوع فقد يطبق الله عليك ما جاء في الحديث:"يَنزِلُ رَبُّنا تباركَ وتعالى كُلَّ ليلةٍ إلى السماءِ الدنيا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ الليلِ الآخِرُ، يقولُ: مَن يدعوني فأستجيبَ لَهُ؟ مَن يسألُني فأُعطيَهُ؟ مَن يستغفرُني فأغفرَ لَهُ؟" [رواه البخاري]

فالعبد المؤمن لا يجعل حظه من الدعاء أن يُجاب، إنما حظه من الدعاء ما قاله الحق: (قُلْ مَا يَعْبَؤُاْ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ) [الفرقان:77]

إذن فقوله: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي) تعني ضرورة الاستجابة للمنهج، (وَلْيُؤْمِنُواْ بِي) أي أن يؤمنوا به سبحانه إلها حكيما. وليس كل مَن يسأل يُستجاب له بسؤاله نفسه؛ لأن الألوهية تقتضي الحكمة التي تُعطي كل صاحب دعوة خيرا يناسب الداعي لا بمقاييسه هو، ولكن بمقاييس مَن يجيب الدعوة.

ويذيل الحق الآية بقول: (لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) ، فما معنى (يَرْشُدُونَ) ؟ إنه يعني الوصول إلى طريق الخير وإلي طريق الصواب. وهذه الآية جاءت بعد آية: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ) كي تبين لنا أن الصفائية في الصيام تجعل الصائم أهلًا للدعاء، وقد لا يكون حظك من هذا الدعاء الإجابة، وإنما يكون حظك فيه العبادة. [تفسير الشعراوي]

معنى الدعاء: قال في القاموس وشرحه: الدعاء: الرغبة إلى الله تعالى فيما عنده من الخير، والابتهال إليه بالسؤال، ويُطلق على العبادة والاستغاثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت